ترميم تحت النار.. كيف أعاد الحرس الثوري هيكلة «حزب الله»؟
شهدت الساحة اللبنانية تحولاً دراماتيكياً في بنية القوى العسكرية عقب سلسلة من الضربات القاسية التي استهدفت الصف الأول من القيادات التاريخية والميدانية. لم تكن عملية إعادة البناء مجرد سد لثغرات بشرية، بل كانت عملية هندسة شاملة قادها خبراء من الحرس الثوري الإيراني لإحياء حزب الله وتجهيزه لمرحلة من الصراع الوجودي. استندت هذه الاستراتيجية إلى قراءة دقيقة للإخفاقات الاستخباراتية السابقة التي أدت لاغتيالات كبرى شلت مفاصل التنظيم.
وحسب تقرير لـ "رويترز" ومصادر أمنية مطلعة، بدأت الرحلة الفعلية للتعافي بعد وقت قصير من وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، حين تدفق ضباط إيرانيون إلى لبنان. كانت المهمة واضحة ومحددة، وهي إعادة بناء القيادة العسكرية لـ حزب الله التي تضررت بشدة خلال الغارات الإسرائيلية المكثفة. عمل هؤلاء الضباط جنباً إلى جنب مع ما تبقى من كوادر ميدانية لضمان استمرارية العمليات العسكرية وتأمين خطوط الإمداد الحيوية.
إن الجهود التي بذلتها طهران لم تقتصر على الدعم اللوجستي التقليدي، بل امتدت لتشمل تغييرات جذرية في عقيدة القتال والقيادة والسيطرة داخل صفوف الجماعة. لقد آتت هذه الاستثمارات العسكرية ثمارها في الوقت المناسب، حيث تمكنت الجماعة من العودة إلى سابق عهدها للدخول في الحرب الدائرة حالياً. يظهر هذا التعافي قدرة فائقة على التكيف مع المتغيرات الميدانية والضغوط الدولية التي استهدفت تجريد الساحة من فاعليتها.
الهيكلية الجديدة والهروب من الاختراق الاستخباراتي
تعد عملية إلغاء التسلسل الهرمي التقليدي أهم الخطوات التي اتخذها الخبراء الإيرانيون لحماية ما تبقى من بنية تحتية عسكرية وبشرية تابعة للتنظيم اللبناني. تم استبدال الهيكل المركزي بوحدات صغيرة ومستقلة تماماً، تعمل وفق نظام "الدفاع الفسيفسائي" الذي يجعل من الصعب على أي اختراق استخباري تدمير المنظومة بالكامل. هذه الوحدات تمتلك معرفة محدودة بعمليات بعضها البعض، مما يرفع من مستوى السرية والأمان الميداني خلال العمليات القتالية.
ويشير المحللون العسكريون إلى أن هذا النموذج الجديد يشبه إلى حد كبير الشكل الذي كان عليه حزب الله في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي. في ذلك الوقت، كانت الخلايا الصغيرة هي المحرك الأساسي للعمليات، وهو ما يصعب مهمة الاستهداف الدقيق من قبل الطيران أو الاستخبارات التقنية الحديثة. هذا التحول نحو "النظام المسطح" يقلل من الاعتماد على الشخصيات القيادية الكاريزمية التي كانت تشكل أهدافاً سهلة في الهيكل الهرمي القديم.
علاوة على ذلك، أشرف مستشارون خاصون أرسلهم الحرس الثوري خلال عام 2025 على إدارة الشؤون العسكرية المعقدة والتنسيق بين الأسلحة المختلفة في الميدان. تضمنت المهام وضع خطط دقيقة لشن هجمات صاروخية متزامنة من جبهات متعددة، وهو ما تجلى بوضوح في الرشقات الأخيرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي. يهدف هذا التنسيق العالي إلى تشتيت الدفاعات الجوية المعادية وخلق حالة من الإرباك الدائم في صفوف قوات العدو.
التوترات السياسية ومطالب مغادرة المستشارين الإيرانيين
بينما كانت عمليات الترميم العسكري تجري على قدم وساق، واجه الوجود الإيراني المكثف في لبنان ضغوطاً سياسية متزايدة من قبل الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي. قدرت السلطات اللبنانية وجود العشرات من المواطنين الإيرانيين الذين تتجاوز مهامهم العمل الدبلوماسي التقليدي، مما أثار مخاوف من تحويل البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة. دفعت هذه الهواجس بيروت لطلب مغادرة هؤلاء الأفراد في محاولة لتهدئة الأوضاع الإقليمية المتفجرة مؤخراً.
وتشير التقارير إلى أن عدداً كبيراً من أعضاء الحرس الثوري غادروا بالفعل عبر رحلات جوية متوجهة إلى وجهات خارجية عقب تزايد الاستهدافات المباشرة. ومع ذلك، فإن البصمة التي تركوها في هيكلية حزب الله لا تزال واضحة ومؤثرة في مجريات الحرب الحالية التي اندلعت في مارس. تظل العلاقة التاريخية بين الطرفين عاملاً حاسماً في قدرة الجماعة على الصمود وتطوير قدراتها الصاروخية والدفاعية رغم الحصار الخانق المفروض عليها.
على الرغم من فقدان شخصيات محورية مثل حسن نصر الله وقادة عسكريين كبار، إلا أن الروح القتالية والخبرة الفنية لم تتلاشى تماماً من الميدان. استمر مقاتلو التنظيم في التصدي لمحاولات التوغل البري، مستفيدين من التحصينات الجديدة والأسلحة النوعية التي وصلت عبر ممرات الإمداد المعقدة. يثبت هذا الواقع أن عملية إعادة التأهيل لم تكن مجرد رد فعل مؤقت، بل كانت استراتيجية طويلة الأمد لضمان البقاء في معادلة القوة.
مستقبل المواجهة في ظل التوازنات الإقليمية الجديدة
يبقى السؤال الأهم حول قدرة الجماعة على الحفاظ على هذا المستوى من الفاعلية في حال تدحرجت الأمور نحو غزو بري شامل وواسع النطاق. يرى الخبراء أن الاختبار الحقيقي لقوة حزب الله المعاد بناؤها سيكون في قدرة الخلايا "الفسيفسائية" على العمل تحت ضغط الانقطاع الكامل عن القيادة المركزية. إن تكتيكات حرب العصابات المتطورة التي تم التدرب عليها مؤخراً تهدف إلى استنزاف القوات المهاجمة في بيئة جغرافية وعرة ومعقدة للغاية.
تستمر الهجمات الصاروخية التي تطلقها الجماعة في فرض معادلات ردع جديدة، حيث يتم إطلاق المئات من القذائف بشكل يومي باتجاه أهداف استراتيجية وحيوية. هذا النشاط العسكري المكثف يؤكد أن مرحلة "الترميم" قد انتهت، وأن الجماعة قد انتقلت بالفعل إلى مرحلة "الفعل" الميداني الكامل بدعم مباشر من طهران. تظل الساحة اللبنانية بذلك بؤرة التوتر الأساسية التي تحدد مسارات الصراع في المنطقة بأسرها خلال السنوات القادمة.
في الختام، يمثل المشهد الحالي ذروة التنسيق العسكري والسياسي بين أقطاب ما يعرف بمحور المقاومة، حيث تلعب الخبرة الإيرانية دوراً حيوياً في توجيه الدفة. إن نجاح عملية إعادة الهيكلة يضع المجتمع الدولي أمام تحديات كبيرة في كيفية التعامل مع قوى غير تقليدية تمتلك قدرات تضاهي الجيوش النظامية. يبقى الصراع مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار كافة الأطراف على تحقيق مكاسب ميدانية تترجم لاحقاً إلى أوراق ضغط سياسية.
تطبيق نبض
