من يحتكر قرار الحرب؟.. العراق يدفع ثمن الصراع المفتوح بين أميركا والميليشيات
يعيش العراق اليوم واحدة من أعقد فتراته السياسية والأمنية، حيث تتزاحم في سمائه أصوات الطائرات المقاتلة والمسيرات الانتحارية التي ترسم ملامح صراع إقليمي ودولي خطير. تحولت الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران والفصائل المسلحة من جهة أخرى، مما يضع الدولة ومؤسساتها الرسمية في مواجهة قاسية.
حسب تقرير لـ اندبندنت عربية، فإن الموقف السياسي لحكومة بغداد يبدو في غاية الحرج والتعقيد، خاصة مع تنامي الضربات التي تشنها الفصائل المسلحة ضد مصالح أميركية ولدول مجاورة. وقد دفع هذا التصعيد المستمر الدول الخليجية والأردن إلى إصدار بيان مشترك شديد اللهجة، يدعو الحكومة بوضوح إلى تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات فورية لوقف الهجمات.
وأكد البيان الخليجي الأردني المشترك على ضرورة كبح جماح الفصائل والميليشيات التي تتخذ من الأراضي العراقية منصة لاستهداف دول الجوار. وشددت الدول الموقعة على أهمية الحفاظ على العلاقات الأخوية وتجنب أي تصعيد إضافي قد يجر المنطقة بأسرها إلى أتون حرب مدمرة، معلنة تمسكها الكامل بحقها الأصيل والمشروع في الدفاع عن أمنها الوطني وسيادتها.
واستندت الدول المجاورة في بيانها إلى المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، التي تكفل بوضوح حق الدفاع عن النفس فرديا وجماعيا في حال التعرض لأي عدوان مسلح. واعتبرت تلك الدول أن الهجمات التي تنطلق من الساحة العراقية تمثل أعمالا إجرامية تستوجب اتخاذ كافة التدابير الصارمة لضمان استقرار المنطقة وحماية أراضيها.
في المقابل، لم تتأخر الفصائل المسلحة في الرد على هذا البيان، حيث أصدرت مجموعة تطلق على نفسها اسم سرايا أولياء الدم توضيحا يؤكد أن هجماتها في دول الخليج والأردن لا تستهدف تلك الدول بحد ذاتها. وادعت المجموعة أن عملياتها موجهة حصرا ضد التواجد العسكري الأميركي، مبررة ذلك بأن القواعد هناك هي منطلقات لضرب مواقعها.
ولم تكتف تلك الفصائل بتبرير هجماتها، بل توعدت بتصعيد وتيرة العمليات العسكرية بشكل غير مسبوق، خاصة مع توارد الأنباء عن وصول قوات برية أميركية إضافية إلى المنطقة. هذا التصعيد الكلامي والميداني يزيد من الضغوط الملقاة على عاتق صانع القرار العراقي، الذي يحاول جاهدا تجنب الانزلاق نحو حرب شاملة قد تعصف بما تبقى من استقرار.
تداعيات استهداف المنشآت الطبية والأمنية
شهدت الساحة العراقية تطورا خطيرا إثر الهجوم الذي تعرض له مستوصف الحبانية العسكري وشعبة أشغال الحبانية في السادس والعشرين من شهر مارس. هذا الهجوم الذي نُفذ بضربة جوية أعقبها قصف مدفعي من طائرة، أسفر عن خسائر بشرية مؤلمة تمثلت في سقوط سبعة مقاتلين وإصابة ثلاثة عشر آخرين بجروح، مما أثار موجة غضب واسعة.
سارعت وزارة الدفاع في العراق إلى إدانة هذا الهجوم بشدة، واصفة إياه بأنه انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية التي تحرم بشكل قاطع استهداف المنشآت الطبية والكوادر العاملة فيها حتى في أوقات النزاع. واعتبرت الوزارة أن قصف مستوصف يقدم خدمات صحية يمثل تجاوزا لكل الخطوط الحمراء، ويعكس خطورة المرحلة التي يمر بها الوضع الأمني.
تزامنا مع هذه الحادثة الأليمة، عقد المجلس الوزاري للأمن الوطني اجتماعا طارئا تمخض عن قرارات حاسمة، أبرزها تخويل كافة القوات الأمنية، بما فيها قوات الحشد الشعبي، حق الرد الفوري والدفاع عن النفس. وشمل هذا التخويل التصدي لأي هجمات قد تستهدف مقارها العسكرية، سواء نُفذت بواسطة طائرات حربية متطورة أو عبر طائرات مسيرة انتحارية.
كما أقر المجلس الوزاري توجيهات صارمة بملاحقة أي جهة أو أفراد يشاركون في شن اعتداءات على المؤسسات الأمنية أو مصالح المواطنين أو مقار البعثات الدبلوماسية الأجنبية. ووجه الأجهزة الاستخبارية بالكشف العاجل عن الانتماءات الحقيقية لهؤلاء المهاجمين، مع اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقهم، وتنفيذ أوامر إلقاء القبض الصادرة لضمان سيادة القانون.
وفي تقييم لهذه الخطوات الحكومية، يرى المتخصص في شؤون الأمن والدفاع ضياء الوكيل أن قرار منح القوات الأمنية حق الرد يحمل طابعا سياسيا ورمزيا أكثر منه عمليا. ويعزو الوكيل ذلك إلى التحديات الميدانية الكبيرة، وعلى رأسها النقص الحاد في منظومات الدفاع الجوي والأسلحة القادرة على التصدي الفعلي للطائرات الحربية أو المسيرات.
من جانبها، حاولت واشنطن توضيح موقفها العسكري عبر تصريحات لوزارة الخارجية، أكدت فيها أن جيش الولايات المتحدة لا يضع قوات الأمن العراقية ضمن بنك أهدافه على الإطلاق. وشددت الخارجية على عمق سنوات الصداقة والتعاون بين البلدين، مشيرة إلى أن العمليات موجهة حصرا ضد الجماعات المسلحة التي تهدد مصالحها وقواتها المتواجدة هناك.
وكشفت واشنطن أنها طلبت مرارا من السلطات في بغداد خلال الأسابيع الماضية تزويدها بإحداثيات دقيقة حول مواقع انتشار القوات الأمنية الرسمية لتجنب إصابتها عن طريق الخطأ. وأوضحت أن هذا الطلب يهدف إلى تعزيز سلامة الوحدات العسكرية التي لا تشارك في الهجمات، إلا أنها أشارت إلى عدم استجابة الحكومة لتوفير هذه المعلومات الحيوية.
أزمة السيادة ومخاطر احتكار قرار الحرب
تجد الحكومة العراقية نفسها في موقف لا تحسد عليه، محاولة السير على حبل مشدود للحفاظ على حياد البلاد وسط حرب الاستنزاف المشتعلة بين أميركا وإسرائيل والمحور الإيراني. وتسعى السلطات جاهدة لإثبات حسن نواياها من خلال التأكيد المتواصل على التزامها بحماية أمن دول الجوار، وملاحقة أي عناصر مسلحة تتسبب في خرق هذا الأمن.
وتجسد هذا الموقف الرسمي في الرد الذي أصدرته وزارة الخارجية على بيان الدول الخليجية والأردن، حيث شددت على الرفض القاطع لأي محاولات اعتداء أو استهداف يطال أراضي المملكة الأردنية الهاشمية أو دول الخليج العربي. وأكدت الدبلوماسية العراقية أن استقرار الدول العربية الشقيقة هو ركيزة أساسية وجزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي.
وأبدت بغداد عبر قنواتها الرسمية استعدادا تاما للتعاون الاستخباري وتلقي أي معلومات موثقة تتعلق بعمليات استهداف تنطلق من أراضيها نحو دول الجوار. وأكدت أن أجهزتها الأمنية مستمرة في التنسيق الوثيق مع نظيراتها في الدول الشقيقة، بهدف معالجة أي تهديدات أمنية بشكل مسؤول وسريع، والعمل المشترك لدرء المخاطر التي تعصف بالاستقرار.
وفي سياق الجدل الداخلي حول السيادة، برز المقال المطول الذي نشره رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية. وقد سلط هذا المقال الضوء على الأبعاد الدستورية والقانونية للأزمة الحالية، منبها إلى أن صلاحية إعلان حالة الحرب هي حق سيادي وحصري تمتلكه مؤسسات الدولة الرسمية فقط.
وأوضح زيدان في مقاله التفصيلي أن الآلية الدستورية لإعلان الحرب تتطلب طلبا مشتركا يقدمه كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ويجب أن يحظى بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان. ووجه القاضي البارز انتقادات مبطنة ولكنها صريحة للفصائل المسلحة، محذرا من مغبة محاولاتها المستمرة للتفرد بقرارات تخص السلم والحرب بعيدا عن الأطر الرسمية.
وشدد زيدان على أن محاولات بعض الجماعات المسلحة الانفراد باتخاذ قرار الدخول في نزاعات عسكرية تشكل تهديدا بالغ الخطورة لكيان الدولة وسيادتها. واعتبر أن هذه التصرفات تعد خرقا فاضحا للدستور، مؤكدا أن تورط الفصائل في فتح جبهات قتال خارجية يؤدي حتما إلى إضعاف هيبة المؤسسات الرسمية، ويقوض بشكل خطير مبدأ سيادة القانون.
كما حذر رئيس مجلس القضاء الأعلى من أن احتكار قرار الحرب خارج إطار الدولة يخلق حالة من الفوضى العارمة ويؤدي إلى تعدد مراكز القرار العسكري. ونبه إلى أن هذه الممارسات قد تجر البلاد إلى مستنقع نزاعات داخلية طاحنة أو حروب إقليمية مدمرة، وذلك في ظل غياب أي توافق وطني حقيقي يجمع مختلف الطيف السياسي.
ولم يغفل زيدان التداعيات السياسية والدولية لهذه الأزمة، مشيرا إلى أن تجاوز الفصائل للمؤسسات الدستورية المنتخبة وتهميش دورها يمثل تهديدا صريحا للنظام الديمقراطي برمته. وحذر من أن استمرار هذه التصرفات غير الخاضعة للرقابة قد يعرض البلاد لعزلة دولية خانقة، أو يفرض عليها عقوبات اقتصادية ودبلوماسية قاسية يدفع ثمنها المواطن البسيط.
في المقابل، لم يتأخر رد الفصائل المسلحة على تحذيرات السلطة القضائية، حيث انبرى المسؤول الأمني لكتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، للدفاع عن مسارهم. وصرح العساف ردا على مقال فائق زيدان بأن فصائله لم تعلن الحرب على أحد ابتداء، بل هي تقوم بواجبها الشرعي والأخلاقي في الدفاع عن أرضها منذ أن وطأت القوات الأجنبية البلاد.
وذهب العساف أبعد من ذلك، معتبرا أن التصدي للتواجد الأجنبي والدفاع عن المقدسات والسيادة الوطنية لا يتطلب الحصول على موافقات مسبقة ممن وصفهم بالمتماهين مع الأعداء. ووجه اتهامات حادة وشديدة اللهجة للجهات التي تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح الفصائل، معتبرا إياهم جزءا لا يتجزأ من المشروع الصهيوني الأميركي.
مستقبل التواجد الأميركي والاتفاقية الاستراتيجية
ألقت الهجمات المستمرة التي تعرضت لها قاعدة فكتوري العسكرية القريبة من مطار بغداد الدولي، وكذلك الاستهداف المتكرر لقاعدة الحرير في مدينة أربيل، بظلالها الثقيلة على المشهد الأمني. وقد أجبرت هذه الضربات المكثفة القوات الأميركية على إعادة حساباتها والبدء في سحب جزء من قواتها من تلك المواقع الاستراتيجية، مما أثار تساؤلات عميقة.
هذا التراجع الميداني للقوات الأميركية فتح الباب واسعا للنقاش حول مصير اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين بغداد وواشنطن في السابع عشر من نوفمبر عام ألفين وثمانية. ويتساءل المراقبون عما إذا كانت بنود هذه الاتفاقية التاريخية، التي أسست لعلاقة صداقة، قد بدأت تتهاوى فعليا تحت وطأة الضربات المتلاحقة التي تشنها المسيرات الانتحارية.
ويقدم الخبير الأمني ضياء الوكيل قراءة عسكرية لهذا التحرك، مشيرا إلى أن القوات الأميركية التي انسحبت باتجاه إقليم كردستان ودولة الكويت ليست قوات قتالية بالمعنى التقليدي. ويوضح أن هذا التشكيل يضم خليطا من المستشارين العسكريين المتخصصين في شؤون التدريب، وضباط ارتباط مكلفين بتنسيق تبادل المعلومات بين القوات الرسمية والتحالف الدولي.
ويضيف الوكيل أن هذه القوات المنسحبة تشمل أيضا خبراء فنيين مسؤولين عن صيانة الأسلحة والمعدات المتطورة والطائرات، والذين يعملون بموجب بروتوكولات تعاون ثنائية. وترافق هؤلاء الخبراء وحدات عسكرية تكتيكية صغيرة جدا، تنحصر مهامها الأساسية في تقديم الدعم اللوجستي وتوفير الحماية الذاتية المحدودة للمستشارين، دون الانخراط في أي مهام قتالية.
ويؤكد المتخصص في شؤون الدفاع أن انتقال هذه القطعات العسكرية إلى إقليم كردستان يعكس قرارا عسكريا وتكتيكيا أميركيا صرفا، وليس موقفا سياسيا منسقا. ويبين أن هذا التحرك يستند في الأساس إلى تقييمات ميدانية بحتة ومخاوف أمنية متصاعدة تعود صلاحية تقديرها المطلق للقيادة المركزية الأميركية، مما يجعل مصطلح إعادة الانتشار هو الأدق.
ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي، المعروفة اختصارا باسم صوفا، تتضمن أحد عشر قسما رئيسيا تغطي مجالات حيوية متعددة. وتشمل هذه الأقسام أطرا شاملة لتعزيز التعاون الثنائي في الميادين السياسية والأمنية والثقافية، فضلا عن بناء شراكات اقتصادية متينة وتطوير قطاع الطاقة الحيوي لضمان تنمية تخدم مصالح كلا البلدين.
وفيما يخص التعاون الأمني والدفاعي تحديدا، نصت الاتفاقية بوضوح على التزام الطرفين بمواصلة تنمية التنسيق الوثيق والمشترك في كافة الترتيبات المتعلقة بالدفاع والأمن القومي. وقد اشترطت الوثيقة أن يتم هذا التعاون العسكري دون المساس بأي شكل من الأشكال بسيادة الدولة المطلقة على كامل أراضيها ومياهها الإقليمية وأجوائها السيادية.
غير أن الاتفاقية منحت في المقابل تسهيلات كبيرة للقوات الأميركية، حيث أتاحت لها حرية استخدام الأراضي والأجواء والممرات المائية لأغراض استراتيجية محددة. وسمحت لها بشن هجمات دفاعية أو استباقية ضد أي جهة قد تشكل تهديدا شاملا أو إقليميا للسلم العالمي، أو تمثل خطرا داهما على نظام الحكم الدستوري، أو تقدم دعما للإرهاب والميليشيات.
إضافة إلى ذلك، كفلت اتفاقية صوفا للقوات الأميركية الحق القانوني والميداني في بناء وتجهيز مراكز أمنية وقواعد عسكرية خاصة بها داخل الأراضي الوطنية. وقد تم تبرير هذا البند الاستثنائي بأن الهدف الأساسي منه هو الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ودعم قدرات القوات المحلية في حربها المستمرة ضد التنظيمات، وضمان حماية المصالح المشتركة.
حرب الظل وصراع النفوذ المفتوح
في تحليل أعمق للمشهد، يرى مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر أن البلاد قد انزلقت فعليا إلى أتون هذه الحرب الإقليمية المعقدة دون إرادة رسمية. ويؤكد حيدر أن قرار الدخول في هذا الصراع لم يصدر عن مؤسسات الدولة الشرعية، بل فُرض كأمر واقع من قبل الميليشيات المسلحة والفصائل التي تعمل خارج السيطرة.
ويكشف حيدر عن وجود خطة ممنهجة وخطيرة تقودها بعض الفصائل المسلحة بهدف إضعاف وتقويض قدرات الأجهزة الأمنية الرسمية، وخاصة مديريات الاستخبارات. ويشير إلى وجود مساع حثيثة لاغتيال أو ترهيب القيادات العسكرية والضباط البارزين، والذين تعتبرهم تلك الميليشيات حجر عثرة أو خطرا حقيقيا يهدد استمرار نشاطاتها العسكرية.
وما يعزز هذه المخاوف هو الهجوم النوعي الذي نفذته الفصائل المسلحة في الحادي والعشرين من مارس الجاري، حيث استهدفت مقرا تابعا لجهاز الاستخبارات الوطني باستخدام مسيرة مفخخة. وقد أسفر هذا الهجوم الجريء والخطير عن مقتل ضابط رفيع المستوى، في سابقة تنذر بتصاعد حرب التصفيات الداخلية وتحدي سلطة الأجهزة الأمنية المعنية بحماية البلاد.
وقد طال هذا الهجوم تحديدا، وفقا لمعلومات أدلى بها مصدر أمني مطلع، مركزا استراتيجيا وحساسا مختصا بالمراقبة والتنصت. وكان هذا المركز يضطلع بمهمة تعقب وتحليل اتصالات عناصر كتائب حزب الله، وخاصة اختراق نظام الاتصال السري المشفر المعروف باسم برنامج براق، والذي تستخدمه تلك الميليشيات لتمرير أوامرها بعيدا عن الرقابة.
وعلى الرغم من كل هذه التطورات الميدانية المتسارعة، يؤكد نزار حيدر أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بوجود وازن ومؤثر في البلاد تحت مسميات وعناوين مختلفة. فالمستشارون العسكريون، والفرق الاستخباراتية الأميركية ما زالوا يمارسون مهامهم، مما يعني أن الاتفاقية الاستراتيجية بين البلدين لم تسقط تماما، بل تمر بمرحلة من التذبذب والغموض.
وفي محاولة لاحتواء الموقف، أصدرت قيادة العمليات المشتركة عبر خلية الإعلام الأمني بيانا هاما في السادس والعشرين من مارس، كشفت فيه عن تشكيل لجنة تنسيق مشتركة عليا. وقد أسفر الاجتماع الأول لهذه اللجنة الثنائية بين الجانبين العراقي والأميركي عن قرارات حاسمة تقضي بتكثيف التعاون لمنع أي هجمات إرهابية أو تخريبية.
وتعهد الجانبان خلال هذا الاجتماع الأمني رفيع المستوى بضمان عدم استغلال الأراضي الوطنية لتكون نقطة انطلاق لأي أعمال عدوانية تستهدف الشعب أو القوات الأمنية. وشمل هذا الالتزام حماية المرافق الاستراتيجية والبنى التحتية الحيوية، بالإضافة إلى تأمين سلامة الأفراد الأميركيين المتواجدين بصفة رسمية، وحماية مقرات البعثات وقواعد التحالف الدولي.
وأكد الوفدان التزامهما الصارم والمبدئي بإبعاد الساحة المحلية عن دائرة الصراع العسكري المفتوح الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، مع التشديد على ضرورة الاحترام الكامل للسيادة. وتم الاتفاق على تقديم الدعم الكامل لجهود الحكومة لضمان عدم استخدام مجاليها الجوي والبحري كمسرح لعمليات عسكرية قد تهدد استقرارها أو تضر بالدول المجاورة.
من جهة أخرى، يطرح الباحث السياسي لقاء مكي رؤية تشاؤمية حيال مستقبل الأزمة، موضحا أن التصاعد المستمر في وتيرة الاعتداءات على المصالح والقوات الأميركية قد يقود لنتائج كارثية. ويحذر مكي من أن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار جذري بإنهاء أي وجود سياسي أو عسكري لها، بما في ذلك إغلاق سفارتها.
ويرى الباحث أن البلاد لم تكن لتدخل في دائرة الاستهداف المباشر لولا الهجمات الاستفزازية التي بادرت بها الفصائل ضد مقار القواعد العسكرية الأميركية. وقد شكلت هذه الهجمات دافعا رئيسيا أجبر القيادة العسكرية للولايات المتحدة على إخلاء بعض قواعدها الحساسة بشكل عاجل، في محاولة لتقليل الخسائر والتخلص من دائرة الاستهداف النيراني.
ويضيف مكي أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي لا تزال قائمة من الناحية القانونية، لكنها فقدت قيمتها الواقعية ومعناها العملي على الأرض بشكل كبير. ويعود ذلك جزئيا إلى أن الحكومة الحالية تعمل بصلاحيات محدودة، ناهيك عن احتمالية رضوخ البرلمان لضغوط الميليشيات للبدء في مناقشة خطوات فعلية لإلغاء هذه الاتفاقية.
وقد ازدادت حدة الخصومة وتعمقت فجوة انعدام الثقة بين الفصائل والولايات المتحدة بشكل ملحوظ، مما أدى إلى اتساع رقعة القصف ليشمل معسكرات الحشد وثكنات الجيش. وتستند واشنطن في هذه الضربات الموسعة إلى مزاعم استخباراتية تفيد بأن القوات العسكرية الرسمية تتستر وتوفر ملاذات آمنة لمجاميع الفصائل المسلحة لتنفيذ عملياتها.
ويختم مكي تحليله بقراءة قاتمة لمآلات الصراع، محذرا من أن نهاية هذه الحرب، إذا ما تمت وفقا للشروط والإملاءات الإيرانية، ستؤدي حتما إلى تكريس النفوذ الإيراني. وسيعني ذلك استعادة محور المقاومة لقوته وهيمنته، مما يرسخ سلطة الفصائل كحاكم فعلي، ويبقي البلاد رهينة في دائرة الاستهداف والتجاذبات الدولية المستمرة.
ولا يستبعد المحللون أن تلجأ الولايات المتحدة، التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التمدد، إلى استخدام أوراق ضغط بديلة وقاسية للرد. وقد يتضمن ذلك توسيع دائرة الاغتيالات النوعية، وتفعيل العقوبات الاقتصادية الخانقة، مع تقديم دعم للمعارضين من الداخل لمحاولة إسقاط النظام، في سيناريو يجعل تجربة فنزويلا أقرب للواقع.
تطبيق نبض
