عاجل
الخميس 09 أبريل 2026 الموافق 21 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

نتنياهو: تقويض الهدنة والرهان على مواصلة التصعيد

تحيا مصر

بعد الإعلان عن الهدنة الأمريكية–الإيرانية، تصاعدت حدة الانتقادات داخل إسرائيل، حيث اتهم قادة المعارضة بنيامين نتنياهو بأنه قاد البلاد إلى ما يشبه الانكشاف الاستراتيجي، نتيجة مزيج من الغرور وسوء التقدير. ورأت هذه الأصوات أن إدارة الأزمة اتسمت بالتردد والمغامرة غير المحسوبة، بما أضعف قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الأمنية، وأفقدها زمام المبادرة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وفي هذا الإطار، برز تقدير داخل دوائر سياسية مفاده أن الضغوط الداخلية المتزايدة، إلى جانب تداعيات الهدنة، تدفع نتنياهو إلى محاولة إعادة تشكيل المشهد عبر تصعيد عسكري واسع النطاق.

وفي ضوء هذا التقدير، فُسّر إقدام نتنياهو على تنفيذ واحدة من أعنف الضربات ضد لبنان، شملت قرابة مائة غارة جوية طالت مناطق متعددة في بيروت، بما في ذلك وسط المدينة والضاحية الجنوبية، فضلًا عن سهل البقاع وصيدا وأجزاء واسعة من جنوب البلاد. وقد اتسمت هذه العمليات بكثافة غير مسبوقة، ما يعكس سعيًا واضحًا إلى إعادة فرض معادلات القوة، وربما تقويض مفاعيل الهدنة الأمريكية–الإيرانية التي لم تحظَ بقبول كامل لدى القيادة الإسرائيلية. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تعتبران لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار، بينما تؤكد باكستان وإيران أنه جزء من الهدنة، وهذه الالتباسات تهدد بالفعل بزعزعة الهدنة الهشة

وعليه، يبدو هذا التصعيد أقرب إلى محاولة لفرض واقع ميداني جديد بالقوة، إلا أنه ينطوي في الوقت ذاته على مخاطر جدية تهدد بتقويض التهدئة الهشة. إذ قد تدفع الحسابات السياسية والعسكرية لنتنياهو نحو تقويض الأسس التي قامت عليها الهدنة، بما يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد المفتوح.

وفي السياق الأوسع، وعندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  هدنه  لمده أسبوعين ، مقرونه بإعلان «النصر»، عكس ذلك نمطًا مألوفًا في الأدبيات الاستراتيجية مفاده تحقيق نجاحات تكتيكية لا يقابلها بالضرورة إنجاز استراتيجي مكتمل. فعلى الرغم من كثافة العمليات العسكرية وما تحقق خلالها من تفوق ميداني ساحق ، ظلت المقومات الأساسية للقوة الإيرانية—بما في ذلك بنية النظام، وشبكات نفوذها الإقليمي، وأوراق الضغط المرتبطة بممرات حيوية مثل مضيق هرمز—قائمة إلى حد كبير.

وفي هذا الإطار، تجسد هذه الحملة ما يُعرف في التحليل الاستراتيجي بـ«إخفاقات الحرب في تحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسيه»، حيث تحقق العمليات العسكرية مكاسب فورية، لكنها تعجز عن تحويلها إلى نتائج استراتيجية مستدامة. كما أن تذبذب مسار العمليات وتبدل الحسابات السياسية فرضا إعادة ضبط متكررة للأهداف خلال فترة الصراع، بما يعكس غياب تصور واضح لنقطة النهاية الاستراتيجية.

وبناءً على ذلك، يبدو إعلان ترامب تحقيق «النصر» أقرب إلى محاولة لصياغة سردية سياسية لنتيجة غير حاسمة، تآكلت فيها الأهداف الأولية تدريجيًا، بحيث غدا وقف إطلاق النار في نهاية المطاف أقرب إلى مخرج مؤقت من الصراع منه إلى تتويج لإنجازات تحققت فعليًا. وفي السياق ذاته، لا تبدو الهدنة التي تم التوصل إليها بمنأى عن الضغوط، إذ تواجه تحديات متزايدة بفعل تحركات نتنياهو الساعية إلى تقويضها، بما قد يعيد الأوضاع إلى مسار التصعيد الذي سبقها.

 

السفير عمرو حلمي 

تابع موقع تحيا مصر علي