عاجل
الخميس 16 أبريل 2026 الموافق 28 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

ثعلب طهران الجديد.. قاليباف يبهر واشنطن ويزيح «عراقجي» عن الصدارة

محمد باقر قاليباف
محمد باقر قاليباف

يبرز اسم محمد باقر قاليباف اليوم رئيس مجلس الشورى الإيراني، كواحد من أهم أعمدة النظام الإيراني، حيث استطاع فرض نفسه كمفاوض رئيس والوجه الرسمي الأبرز في مرحلة مفصلية أطاحت فيها الحرب بالعديد من القيادات التاريخية. على مدى ثلاثة عقود، ظل الرجل البالغ من العمر أربعة وستين عاماً ركيزة صلبة للمؤسسة الحاكمة، مقدماً نموذجاً للمسؤول غير الديني الذي يقود المجهود الحربي والمسار التفاوضي مع واشنطن، متحدياً كافة الأخطار التي تحيط بمستقبل بلاده السياسي.

مفاوض محترف في قلب العواصف الإقليمية والدولية

حسب تقرير لمعهد جنيف للأبحاث، فإن بروز قاليباف جاء كضرورة استراتيجية بعد اغتيال علي لاريجاني، حيث تولى الإشراف المباشر على العمليات الحربية والاستراتيجيات المرتبطة بها. 

ويرى الخبراء أن تحركاته الأخيرة تعكس رغبة في ملء الفراغ القيادي، مع بقائه تحت مظلة القوى العليا في طهران، المتمثلة في مجتبى خامنئي والحرس الثوري، الذي كان رئيس البرلمان الحالي أحد قادته التاريخيين البارزين في القوات الجوفضائية قبل سنوات.

ظهر قاليباف للمرة الأولى علناً نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، مترئساً وفد بلاده في محادثات رفيعة المستوى، حيث التقى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. 

هذا اللقاء مثل أعلى مستوى من التواصل المباشر بين الخصمين اللدودين منذ الثورة الإيرانية عام 1979، مما أعطى إشارة واضحة للعالم بأن خريطة صناعة القرار في طهران بدأت تشهد تحولات جوهرية وتغييراً في الوجوه التي تتصدر المشهد الخارجي.

أظهرت الصور المسربة من كواليس المحادثات في إسلام آباد حضوراً طاغياً لشخصية قاليباف، الذي بدا متحمساً وممسكاً بزمام المبادرة أثناء حديثه مع الوفود الأجنبية، بينما ظهر وزير الخارجية في وضعية استشارية. 

هذا المشهد عزز التكهنات حول دور الرجل المستقبلي، خاصة في ظل الغموض الذي يلف آليات انتقال السلطة بعد المرشد الأعلى، والأنباء المتضاربة حول صحة خليفته المعين مجتبى خامنئي بعد تقارير عن إصابته في ضربات جوية.

أفادت صحيفة "واشنطن بوست" بأن قاليباف ترك انطباعاً قوياً لدى الوفد الأميركي بوصفه مفاوضاً مصقولاً ومحترفاً، وربما يكون المرشح الأبرز لقيادة إيران في مرحلة ما بعد الحرب.

 وعلى الرغم من عدم إجادته المعروفة للغة الإنجليزية، إلا أن منشوراته الحماسية والمصاغة بلغة أميركية دقيقة على منصة "إكس" أثارت تساؤلات حول الفريق الاحترافي الذي يحيط به، والذي يسعى لتسويق صورته كزعيم قوي وقادر على المواجهة والتفاوض معاً.

تاريخ عسكري وحضور سياسي مثير للجدل

وفقاً لمصادر إعلامية وحقوقية، فإن مسيرة قاليباف المهنية هي مزيج معقد بين المهام العسكرية والمدنية، فقد تدرج من قيادي في الحرس الثوري إلى قائد لشرطة طهران ثم رئيساً لبلديتها.

 هذه الرحلة الطويلة لم تكن خالية من الصعوبات، إذ واجه تحديات في كسب ثقة الجناح الأكثر تشدداً في الحرس الثوري، لكنه استطاع دائماً المناورة والبقاء في دائرة الضوء بفضل طموحه السياسي الذي لا يهدأ أبداً.

لم يخفِ قاليباف يوماً تطلعه للوصول إلى منصب الرئاسة، حيث خاض غمار الانتخابات أكثر من مرة، كان أبرزها عام 2005 في مواجهة أحمدي نجاد. وبجانب كونه سياسياً محنكاً، فهو طيار مؤهل يفتخر بقدرته على قيادة الطائرات الضخمة، وهي صفة تعزز صورته كرجل تكنوقراط يجمع بين القوة العسكرية والمهارة الفنية، مما يجعله شخصية فريدة داخل بنية النظام الذي يغلب عليه الطابع الديني التقليدي.

قبضة حديدية في مواجهة الأزمات الداخلية

تشير تقارير منظمات حقوقية دولية إلى أن قاليباف اضطلع بدور محوري في قمع الاحتجاجات التي شهدتها إيران على مر العقود الماضية، بدءاً من مظاهرات الطلاب عام 1999 وصولاً إلى الحركة الخضراء عام 2009. وفي مطلع عام 2026، برز اسمه مجدداً كأحد المسؤولين عن التعامل الحازم مع الاضطرابات الواسعة، مما يجعله شخصية تثير انقساماً حاداً بين من يراه حامياً للنظام ومن يراه أداة للقمع الأمني الشديد.

يرى الباحث فرزان ثابت أن شخصية قاليباف تتسم بالانتهازية السياسية والحذر الشديد في آن واحد، وهي سمات ساعدته على تسلق هرم السلطة دون أن يتعرض للإقصاء كما حدث مع منافسيه. هذا المزيج من الصفات يجعله قادراً على اختبار الخطوط الحمراء لواشنطن بمرونة عالية، مع الحرص التام على عدم تجاوز الإطار المرسوم له من قبل اللاعبين الأساسيين في الداخل الإيراني، حفاظاً على مكتسباته السياسية ومستقبله.

يعتبر المحللون أن التهديدات التي يطلقها قاليباف عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل تحذيراته من الغزو البري، تهدف إلى تعزيز شعبيته داخل القاعدة المحافظة في إيران، وإظهار تماسكه أمام الضغوط الخارجية. هو يدرك تماماً أن بقاءه في قمة المشهد يتطلب موازنة دقيقة بين لغة القوة في الخطاب العام، والواقعية السياسية في غرف المفاوضات المغلقة، وهو ما يفعله الآن باقتدار في مواجهة القوى الكبرى.

طموحات تتجاوز الحدود ومستقبل محفوف بالمخاطر

تؤكد مصادر سياسية في طهران أن طموح قاليباف قد يدفعه لمحاولة إعادة صياغة السياسة الخارجية الإيرانية بما يضمن انتشال البلاد من أتون الحرب الحالية دون تقديم تنازلات مهينة. الرجل الذي يقف الآن في مواجهة مباشرة مع التحديات الأميركية والإسرائيلية، يدرك أن نجاحه في هذه المهمة سيعزز من فرصه في أن يكون الرجل القوي القادم، أو على الأقل صانع الملوك في حقبة ما بعد المرشد الحالي.

على الرغم من فشل بعض جولات المحادثات، إلا أن استمرار قاليباف في تصدر المشهد يشير إلى ثقة نسبية من دوائر القرار العليا، أو ربما غياب البدائل القوية في الوقت الراهن. إن قدرته على قيادة طائرة "جامبو" قد تكون استعارة مناسبة لقدرته على قيادة دولة بحجم إيران في وسط عواصف جيوسياسية عاتية، محاولاً الهبوط بها بسلام في مطار الاتفاقات الدولية، مع الحفاظ على هيكل النظام القائم وتوازناته الداخلية الدقيقة.

يبقى السؤال الأهم حول مدى قدرة قاليباف على الصمود في وجه التحولات العميقة التي تعصف بالمنطقة، وهل سينجح في تحويل صورته من "قائد قمعي" في نظر المعارضة إلى "رجل دولة" في نظر المجتمع الدولي. إن الرهان الآن يكمن في مدى قدرته على إقناع واشنطن وحلفائها بأنه الشريك الذي يمكن الوثوق به لإبرام صفقة شاملة تنهي حالة العداء الطويلة، وتفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الإيرانية الغربية.

صراع على البقاء في القمة

في نهاية المطاف، يمثل قاليباف حالة فريدة في السياسة الإيرانية، فهو العسكري الذي تحول إلى دبلوماسي، والطيار الذي يسعى للتحليق بعيداً عن أزمات بلاده المتلاحقة. وبينما يترقب العالم نتائج تحركاته التفاوضية، يظل الرجل متمسكاً بدوره كحارس للمصالح العليا، مستفيداً من خبرته الطويلة في دهاليز السلطة وقدرته العالية على المناورة في أصعب الظروف، مما يجعله الرقم الأصعب في معادلة الحكم الإيرانية الحالية والمستقبلية.

تابع موقع تحيا مصر علي