عاجل
الأحد 19 أبريل 2026 الموافق 02 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

صواريخ وتفجيرات عابرة للحدود.. القصة الكاملة لسقوط خلية «حزب الله» في سوريا

مبنى تتحصن فيه الخلية
مبنى تتحصن فيه الخلية

​في قلب العاصمة السورية دمشق وفي ضواحيها المترامية، كانت العيون الأمنية الساهرة ترقب بصمت تحركات مريبة تهدف إلى النيل من سيادة الدولة واستقرارها العام. 

 تكللت هذه الجهود بإنجاز أمني نوعي تمثل في تفكيك خلية إرهابية شديدة الخطورة، كانت تعمل في الخفاء لتهيئة الظروف لعمليات تخريبية كبرى. هذه المجموعة لم تكن مجرد تجمع عابر، بل كانت تنظيماً مدروساً يهدف إلى تنفيذ أجندات خارجية تهدد أمن المواطنين وسلامة الأراضي السورية بشكل مباشر.

​حسب تقرير لوزارة الداخلية السورية ووكالة الأنباء الرسمية سانا، فإن المصادر الأمنية أكدت إحباط مخطط تخريبي تقف خلفه هذه الـ خلية المرتبطة بميليشيا حزب الله اللبناني. وأوضح المصدر أن العناصر المقبوض عليهم كانوا يعتزمون القيام بعمليات عسكرية عدائية تشمل إطلاق صواريخ من داخل الأراضي السورية باتجاه أهداف خارج الحدود. كان الهدف من هذا التحرك هو إثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار في المنطقة، مما استوجب رداً أمنياً سريعاً وحازماً لإنهاء هذا التهديد في مهدة.

​تمت العملية الأمنية بعد عمليات رصد ومتابعة استخباراتية دقيقة استمرت لعدة أسابيع، حيث تم تحديد مواقع انتشار العناصر وتتبع خيوط تواصلهم. وقد باشرت الوحدات الشرطية المختصة مهامها في ملاحقة الفلول الإرهابية، وفرضت حصاراً محكماً على المقر الذي كان يجتمع فيه العناصر. وأسفرت هذه المداهمة النوعية عن إلقاء القبض على خمسة من أفراد المجموعة الذين كانوا يديرون العمليات الميدانية ويشرفون على تخزين العتاد العسكري المخصص للتفجير والتخريب.

امتداد المخططات الإرهابية عبر الحدود السورية

​كشفت التحقيقات الأولية التي أجرتها إدارة مكافحة الإرهاب أن هذه المجموعة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بخلية أخرى تم تفكيكها في ريف دمشق قبل أيام قليلة. وتحديداً في الحادي عشر من شهر أبريل الحالي، حيث ألقي القبض على أفراد تلك المجموعة أثناء تخطيطهم لاغتيال شخصية دينية بدمشق. وكان الهدف هو الحاخام ميخائيل حوري، مما يشير إلى أن المخطط كان يسعى لضرب التنوع الديني وإثارة الفتن الطائفية في قلب المجتمع السوري المتماسك منذ قرون طويلة.

​أظهرت المعطيات أن التنسيق بين المجموعتين كان يتم عبر قنوات اتصال سرية ومعقدة لضمان عدم اكتشافهم من قبل الأجهزة الأمنية السورية. وتبين أن هناك رابطاً عملياتياً قوياً يجمع بين العناصر المقبوض عليهم في ريف دمشق وأولئك الذين تم ضبطهم يوم السبت الثامن عشر من أبريل. هذا الترابط يؤكد وجود هيكلية قيادية واحدة تدير هذه المجموعات وتوزع الأدوار بينها، بدءاً من جمع المعلومات وصولاً إلى تنفيذ العمليات الانتحارية أو التفجيرات المخطط لها.

​أفاد المصدر الأمني للإخبارية السورية أن أحد الأفراد الموقوفين، المدعو علي مؤيد محفوظ، كان يمثل حلقة الوصل المركزية بين الخليتين الإرهابيتين. محفوظ لم يكن مجرد عنصر عادي، بل كان يتولى مهام التنسيق اللوجستي والعملياتي، ويشرف على نقل الأوامر والتعليمات من القيادات الخارجية إلى الميدان. وجود مثل هذا المنسق يشير إلى مدى تعقيد الشبكة التي كانت تعمل داخل البلاد، ومدى الحاجة إلى يقظة أمنية مستمرة لمواجهة هذه التهديدات العابرة للحدود.

​أوضحت التحريات أن علي مؤيد محفوظ تلقى تدريبات عسكرية تخصصية ومكثفة خارج البلاد، تركزت بشكل أساسي على فنون التفخيخ وصناعة العبوات الناسفة المتطورة. هذه الخبرات التقنية التي اكتسبها تم توظيفها في إعداد الألغام المتفجرة وتجهيز المواد شديدة الانفجار التي ضبطت في حوزة المجموعة. كان محفوظ يقوم بنقل هذه الخبرات إلى بقية أفراد الـ خلية لضمان قدرة الجميع على التعامل مع المتفجرات وتنفيذ العمليات التخريبية بدقة متناهية ودون إثارة الشبهات.

خيوط التنسيق بين التدريب الخارجي والتنفيذ الميداني

​لم تقتصر أنشطة الموقوفين على التخطيط النظري، بل شملت أعمالاً ميدانية لتجهيز عبوات ناسفة وألغام متفجرة كانت معدة للاستخدام في مناطق حيوية. وأظهرت التحقيقات أنهم تلقوا تدريبات على يد خبراء متخصصين في صناعة المتفجرات خارج سوريا، بهدف تنفيذ أجندات تخريبية تستهدف البنية التحتية والاستقرار العام. هذا التدريب التخصصي يعكس النوايا المبيتة لإحداث أكبر قدر ممكن من الدمار والضحايا بين المدنيين والعسكريين على حد سواء في مختلف المناطق.

​شملت قائمة الموقوفين الذين سقطوا في قبضة العدالة أسماء كانت تحت المراقبة اللصيقة لفترة طويلة بسبب نشاطاتها المشبوهة في قرى وبلدات ريف دمشق. والموقوفون هم محمد نورس حبيب، وسمير عبد العزيز حبيب، وعلاء غياث حبيب، وسامر عارف حبيب، إضافة إلى المنسق علي مؤيد محفوظ. هؤلاء الأشخاص يشكلون النواة الصلبة للمجموعة التي كانت تنشط في عدد من المناطق، مستغلة التضاريس والروابط العائلية للتخفي والتواري عن الأنظار خلال تنفيذ مخططاتهم الإجرامية.

​تمت إحالة جميع الموقوفين إلى إدارة مكافحة الإرهاب بدمشق لاستكمال التحقيقات الموسعة معهم والوقوف على كامل أبعاد المخطط التخريبي الذي كانوا ينوون تنفيذه. ومن المتوقع أن تكشف التحقيقات عن مزيد من المتورطين أو الخلايا النائمة التي قد تكون على صلة بهذه الشبكة. وتعمل الأجهزة القانونية حالياً على اتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم وفق القوانين السورية النافذة، لضمان نيلهم الجزاء العادل على ما اقترفته أيديهم من مؤامرات ضد أمن الوطن والمواطن.

​أكدت وزارة الداخلية أن العملية الأمنية كانت "مركبة" ومعقدة، حيث تطلبت تعاوناً بين عدة وحدات أمنية واستخباراتية لضمان نجاحها دون خسائر. وقد استندت العملية إلى معلومات استخباراتية دقيقة تم جمعها من خلال اختراق دوائر التواصل الخاصة بالمجموعة ورصد تحركات أفرادها في القرى والبلدات. هذه المنهجية العلمية في العمل الأمني أثبتت كفاءة الأجهزة السورية في مواجهة الإرهاب المنظم الذي يحاول التسلل عبر الثغرات لتنفيذ هجمات غادرة تستهدف الأبرياء والمنشآت العامة.

تفاصيل الترسانة المضبوطة والتحقيقات الأمنية الجارية

​ضبطت الوحدات الأمنية خلال المداهمة ترسانة متنوعة من الأسلحة والعتاد العسكري الذي يعكس حجم العمل التخريبي الذي كان مخططاً له. وشملت المضبوطات أسلحة رشاشة متنوعة، وقنابل يدوية هجومية ودفاعية، ومعدات عسكرية لوجستية تشمل جعباً وذخائر حية بكميات كبيرة. كما تم العثور على كميات من المواد المتفجرة الخام والصواعق الكهربائية المعدة للتفجير عن بعد، مما يدل على أن الـ خلية كانت في مراحل متقدمة جداً من الجاهزية للتنفيذ.

​أفاد الخبراء العسكريون الذين عاينوا المضبوطات أن المواد المتفجرة والصواعق كانت مرتبة بطريقة احترافية تعكس التدريب العالي الذي تلقاه العناصر. كما تم ضبط معدات اتصال متطورة كانت تستخدم للتنسيق بين أفراد المجموعة وبين قياداتهم خارج الحدود السورية. هذه المعدات كانت تهدف إلى تأمين اتصالات مشفرة يصعب تعقبها، إلا أن الكفاءة الفنية للأجهزة الأمنية السورية مكنتها من رصد هذه الاتصالات وفك شيفراتها، مما أدى في النهاية إلى تحديد ساعة الصفر للمداهمة.

​إن نجاح هذه العملية الأمنية يندرج ضمن الجهود المستمرة والقوية التي تبذلها الدولة السورية لملاحقة فلول التنظيمات الإرهابية وتقويض نشاطاتها في كافة المحافظات. وتشدد وزارة الداخلية على أنها لن تتهاون مع أي جهة تحاول العبث بأمن واستقرار البلاد أو تنفيذ أجندات خارجية مشبوهة. إن تفكيك هذه الـ خلية يبعث برسالة واضحة لكل من يحاول استهداف سوريا، مفادها أن العيون الأمنية ستبقى مرصداً لكل التحركات التخريبية مهما بلغت درجة سريتها.

​لا تزال التحقيقات مستمرة لكشف كافة التفاصيل المتعلقة بمصادر تمويل هذه المجموعات وطرق تهريب الأسلحة إليها عبر الحدود. وتعمل الوحدات المختصة على تتبع كافة الخيوط التي قد تؤدي إلى كشف مزيد من المستودعات أو المخابئ السرية التي قد تستخدمها العناصر الإرهابية. إن التعاون بين المواطنين والأجهزة الأمنية يظل الركيزة الأساسية في حماية المجتمع من هذه الأخطار، حيث تساهم البلاغات الدقيقة في إحباط الكثير من المخططات قبل وقوعها وحماية الأرواح والممتلكات.

​تؤكد هذه الواقعة أن الإرهاب لا يزال يحاول تغيير جلوده وأساليبه، لكن العقيدة الأمنية السورية تبقى ثابتة في الدفاع عن السيادة الوطنية. إن الترابط بين التهديدات الخارجية والعمليات الداخلية يتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز العمل العسكري إلى العمل الاستخباراتي والقانوني. ستبقى دمشق حصناً منيعاً ضد كافة المخططات التي تهدف إلى تمزيق نسيجها الاجتماعي أو النيل من دورها الإقليمي، وسيظل القانون هو الفيصل في التعامل مع كل من تسول له نفسه المساس بأمن واستقرار الجمهورية العربية السورية.

تابع موقع تحيا مصر علي