عاجل
الإثنين 20 أبريل 2026 الموافق 03 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

بملايين الدولارات.. سترة نجاة تايتانيك تحطم الأرقام القياسية في مزاد بلندن

سترة النجاة
سترة النجاة

​شهدت العاصمة البريطانية لندن حدثاً استثنائياً أعاد للأذهان تفاصيل الليلة الأكثر مأساوية في تاريخ البحار، حيث بيعت سترة نجاة نادرة كانت تخص إحدى الناجيات من السفينة تايتانيك.

وبلغت القيمة النهائية لهذه القطعة التاريخية نحو ستمائة وسبعين ألف جنيه إسترليني، ما يعادل أكثر من تسعمائة ألف دولار، وسط ترقب كبير من هواة جمع المقتنيات النادرة حول العالم.

​حسب تقرير لشبكة بي بي سي ووكالات الأنباء، فإن هذه السترة تعد القطعة الوحيدة لناجٍ التي يتم طرحها في مزاد علني منذ غرق السفينة قبل أكثر من قرن. وقد أشرفت دار "هنري أولدريدج آند سان" على عملية البيع في مدينة ديفايزس بمقاطعة ويلتشير، حيث فاز بها مقتنٍ آثر عدم الكشف عن هويته بعد منافسة محتدمة.

​تعود ملكية هذه السترة التاريخية إلى لورا مابل فرانكاتيلي، التي كانت تعمل سكرتيرة وترافق ركاب الدرجة الأولى على متن الرحلة المنكوبة. لورا كانت واحدة من السبعمائة شخص الذين كُتبت لهم النجاة من كارثة عام ألف وتسعمائة واثني عشر، بعد أن صعدت إلى قارب النجاة وهي ترتدي هذه السترة التي حمتها من أمواج المحيط الأطلسي المتجمدة.

​عبر مدير المزاد أندرو أولدريدج عن سعادته الغامرة بالنتائج التي حققها المزاد، مشيراً إلى أن هذا الرقم القياسي يعكس الشغف المستمر بقصة السفينة تايتانيك. وأكد أولدريدج أن الاهتمام بالركاب والطاقم لم يتلاشَ بمرور الزمن، بل يزداد عمقاً مع اكتشاف مقتنيات شخصية تروي تفاصيل اللحظات الأخيرة قبل الغرق المأساوي في أعماق المحيط.

أسرار من أعماق المحيط ترويها مقتنيات تايتانيك النادرة

​تتميز سترة النجاة بتصميم فريد يحتوي على اثني عشر جيباً، وهي مزودة بوسادات للكتف وأحزمة جانبية لضمان ثباتها على جسد المرتدي. وما يرفع من قيمتها الوجدانية والتاريخية هو توقيع فرانكاتيلي وعدد من الناجين الآخرين عليها، مما جعلها وثيقة حية تسجل أسماء الذين صمدوا أمام الكارثة التي هزت ثقة العالم في التكنولوجيا البحرية حينذاك.

​تجاوز سعر البيع التقديرات الأولية بمئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية، حيث كان الخبراء يتوقعون أن يتراوح ثمنها بين مائتين وخمسين وثلاثمائة وخمسين ألف جنيه. هذا الفارق الكبير يثبت أن القطع المرتبطة بقصص إنسانية حقيقية تظل الأغلى قيمة في نظر هواة الاقتناء، خاصة وأنها فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى خلال العقود القادمة.

​لم تكن السترة هي القطعة الوحيدة التي خطفت الأنظار، بل شمل المزاد أيضاً وسادة مقعد استُخدمت في أحد قوارب النجاة التابعة للسفينة تايتانيك. بيعت هذه الوسادة بمبلغ ثلاثمائة وتسعين ألف جنيه إسترليني، لتؤكد مرة أخرى أن كل جزء من حطام تلك السفينة يحمل في طياته قصة تستحق دفع الملايين من أجل الحفاظ عليها.

​كانت هذه الوسادة مملوكة في الأصل لصديق ريتشارد ويليام سميث، وهو مستورد شاي لندني شهير فقد حياته في تلك الليلة الحزينة. سميث كان مسافراً للقاء شريكه التجاري في بروكلين، لكنه لم يصل أبداً، حيث انضم إلى قائمة الضحايا الذين تجاوز عددهم الألف وخمسمائة شخص، وظلت جثته مفقودة في أعماق المياه حتى يومنا هذا.

وسادة القارب رقم 12 وحكايات الضحايا المفقودين

​أعلن مدير المزاد أن الجهة التي نجحت في اقتناء وسادة المقعد هي متحف "تيتانيك أتراكشن" الشهير، والذي يمتلك فروعاً في ولايتي تينيسي وميزوري الأمريكيتين. ومن المقرر أن يتم عرض الوسادة أمام الجمهور كجزء من المعرض الدائم، لتكون شاهداً مادياً على تفاصيل رحلة الهروب اليائسة التي خاضها الركاب في قوارب النجاة وسط الظلام الدامس.

​تزامن توقيت إقامة هذا المزاد مع إحياء مدينة ساوثهامبتون البريطانية للذكرى الرابعة عشرة بعد المائة لكارثة السفينة آر إم إس تايتانيك. وقد أقيمت مراسم رسمية في الرابع عشر من أبريل لتكريم ذكرى الضحايا، وهي المدينة التي انطلقت منها السفينة في رحلتها الأولى والأخيرة، مما أضفى صبغة عاطفية وتاريخية عميقة على عملية البيع.

​يتساءل الكثيرون عن سر هذا التوافد الكبير والاكتظاظ لخوض تجربة تايتانيك عبر المقتنيات أو حتى الأفلام والمتاحف، والجواب يكمن في الدراما الإنسانية. إنها قصة تجمع بين الفخامة والغطرسة التكنولوجية من جهة، وبين الضعف البشري والقدر المحتوم من جهة أخرى، مما يجعلها أسطورة عصرية تتجدد ذكراها مع كل قطعة تظهر للعلن.

​تحرص دور المزاد على توثيق تاريخ كل قطعة لضمان أصالتها، خاصة في ظل وجود سوق سوداء للمقتنيات المزيفة التي حذرت منها بعض الجهات الإعلامية. ويعد التدقيق في سجلات الملكية، مثلما حدث مع سترة فرانكاتيلي، أمراً حيوياً لضمان أن الأموال المدفوعة تذهب في سبيل الحفاظ على إرث حقيقي لا تشوبه شائبة أو سرقة.

إرث تاريخي يتجاوز الزمن في ذكرى الرحلة المنكوبة

​إن الاهتمام العالمي بهذه المقتنيات يطرح تساؤلات حول أخلاقيات المتاجرة بآثار الكوارث، لكن المتاحف ترى في ذلك وسيلة لتمويل الحفاظ على التاريخ من الضياع. فبدلاً من بقاء هذه القطع حبيسة الخزائن الخاصة، يساهم بيعها للمؤسسات العامة في جعل القصص الإنسانية متاحة للأجيال القادمة، ليتعلموا منها دروس الصمود والتضحية التي تجلت في تلك الليلة.

​يبقى ريتشارد ويليام سميث ولورا فرانكاتيلي مجرد مثالين من مئات القصص التي تطفو على السطح مع كل مزاد يقام، لتعيد رسم ملامح المجتمع في عام 1912. فالفوارق الطبقية التي كانت واضحة في توزيع قوارب النجاة تظل محوراً للنقاش التاريخي، وهو ما تجسده سترة الدرجة الأولى التي بيعت اليوم بأرقام فلكية في قلب لندن.

​ختاماً، تظل تايتانيك أكثر من مجرد حطام سفينة في قاع المحيط، إنها رمز للذاكرة الجماعية التي تأبى النسيان رغم مرور مائة وأربعة عشر عاماً. ومع كل مطرقة مزاد تعلن "بيع" قطعة جديدة، ندرك أن ثمن التاريخ لا يُقدر بمال، وأن مقتنيات الناجين ستبقى دائماً جسراً يربطنا بعالم غرق ولم يغب عن البال.

تابع موقع تحيا مصر علي