انتهى وقت الدبلوماسية: إسرائيل تراهن على انفجار المفاوضات وعودة لغة الرصاص
في 19 مارس الماضي، وقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام حشد من الصحفيين في القدس، ليعلن أن المواجهة العسكرية مع طهران لم تكن خياراً عابراً، بل ضرورة حتمية لحماية إسرائيل من مخطط إبادة وجودي كان يطبخ في الغرف المغلقة، مؤكداً أن العمليات الهجومية الأخيرة كانت السبيل الوحيد لقطع الطريق على طموحات النظام الإيراني التوسعية التي هددت أمن المنطقة بأسرها لفترات طويلة.
حسب تقرير لصحيفة هآرتس العبرية، فإن مئير بن شبات، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي وكان يوصف برجل المهام الخاصة، يدعم هذا التوجه الصقوري بقوة. يرى بن شبات أن استئناف القتال أو حتى تفجر المحادثات الدبلوماسية يظل خياراً أفضل بكثير من التوصل إلى أي اتفاق هش قد يمنح طهران فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقها العسكرية والنووية، مما يشكل خطراً مستداماً على استقرار المنطقة.
لقد كان بن شبات مبعوث نتنياهو السري إلى العديد من العواصم العربية والغربية، وهو يدرك بعمق تعقيدات الملف الإيراني وتفرعاته الإقليمية. تشير تحليلاته إلى أن الحكومة الحالية لا تثق مطلقاً في جدية المفاوضات التي تجريها إيران مع الولايات المتحدة. بل يسود انطباع قوي بأن طهران تستخدم الدبلوماسية كدرع زمني لكسب الوقت، بينما تستمر في تعزيز قدراتها العسكرية تحت غطاء من الوعود السياسية الزائفة والمناورات التفاوضية.
تتزايد القناعة داخل المؤسسة الأمنية في إسرائيل بأن العودة إلى الميدان هي الوسيلة الوحيدة لفرض واقع جديد يمنع التهديدات النووية. ورغم صعوبة التنبؤ بكيفية انتهاء المرحلة الراهنة من الصراع، إلا أن الاحتمالات تظل مفتوحة بين اتفاق سياسي مؤقت، أو تمديد وقف إطلاق النار، أو العودة الشاملة إلى لغة الرصاص، وهو السيناريو الذي يبدو أن دوائر صنع القرار في تل أبيب تستعد له بكل ثقلها العسكري والدبلوماسي.
يرى الخبراء أن تصعيد الخطاب الإعلامي وتعزيز الحشود العسكرية في مضيق هرمز لا يعني بالضرورة حتمية الصدام المباشر الفوري. فقد تكون هذه التحركات جزءاً من صراع السرديات والضغوط النفسية الرامية للتأثير على شكل النهاية المتوقعة للحرب. فالأطراف جميعها ترغب في تسوية تنهي الاستنزاف، لكنها تسعى في الوقت ذاته لضمان أن تكون شروط هذه التسوية متوافقة تماماً مع مصالحها الإستراتيجية العليا وأمنها القومي بعيد المدى.
إستراتيجية الشل الكلي وتغيير أهداف الحرب العسكرية
يحث بن شبات القيادة العسكرية على الاستعداد الجدي لإمكانية استئناف القتال، خاصة مع استمرار التهديدات الإيرانية بشأن مخزونها الصاروخي المتبقي. وفي حال قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تنفيذ تهديداته، فإن الهجوم القادم لن يكتفي بتوسيع بنك الأهداف التقليدي، بل سيتجه نحو تغيير غاية الحرب برمتها. ولن تقتصر الضربات على المواقع العسكرية، بل ستنتقل إلى تدمير قدرة الدولة الإيرانية على أداء وظائفها الأساسية والحيوية بشكل كامل.
تتضمن هذه الرؤية العسكرية القاسية توجيه ضربات مركزة لشبكة الكهرباء الوطنية، والبنى التحتية للطاقة، والجسور الحيوية، ومحاور السير الحرجة التي تربط المدن الكبرى. هذا النوع من الهجمات يهدف إلى إحداث شلل تام في مفاصل الدولة بوصفها منظومة إدارية واجتماعية، مما يؤدي إلى توقف الحياة العامة لفترة زمنية طويلة، ويجعل من الصعب على النظام الحاكم السيطرة على الأوضاع الداخلية أو توجيه الموارد لدعم المجهود العسكري في الخارج.
يعتقد المخططون أن تحويل إيران إلى كيان مشلول وظيفياً سيفقدها القدرة على المناورة الإقليمية وينهي تهديدها المباشر لأمن إسرائيل بشكل جذري. إن ضرب البنية التحتية المدنية التي تدعم العمل العسكري سيضع النظام أمام مأزق أخلاقي وسياسي وتاريخي أمام شعبه. فالهدف ليس مجرد تدمير منصات الصواريخ، بل القضاء على البيئة التحتية التي تسمح بإنتاج وتشغيل هذه الأسلحة، وتحويل تكلفة العداء إلى عبء لا يطاق على كاهل الدولة.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه الإستراتيجية إلى تداعيات سلبية فورية، حيث قد يتوجه غضب جزء من المواطنين الإيرانيين نحو الولايات المتحدة وحلفائها في البداية. لكن في الميزان العام للأحداث، ستشهد إيران تراجعاً عميقاً في الشرعية الداخلية للنظام، وستظهر تصدعات واضحة في وحدة الجبهة الداخلية. هذه المصاعب الإدارية والمعيشية ستمنح المعارضة الإيرانية الضوء الأخضر والزخم الشعبي اللازم للخروج إلى الشوارع والمطالبة بتغيير جذري وشامل في بنية السلطة.
تحديات الملف النووي ومخاطر الاتفاقات المالية الضخمة
تبرز سيناريوهات أخرى يصفها بن شبات بالسيئة، منها أن تمديد وقف إطلاق النار قد يخدم المصالح الإيرانية التي تدرك حساسية إدارة ترمب تجاه عامل الوقت. فالنظام في طهران يرى في المماطلة الزمنية رافعة ضغط لتحسين مكاسبه في المفاوضات الجارية. كما أن الوصول إلى اتفاق دبلوماسي يحمل في طياته أخطاراً جسيمة تتعلق بالملف النووي ونظام الصواريخ الباليستية، خاصة في ظل صعوبة فرض رقابة صارمة وشاملة عليهما.
تنتقد الدوائر السياسية في إسرائيل بشدة أي توجه لتحرير الأموال الإيرانية المجمدة بموجب العقوبات الدولية. وتشير التقارير الصحفية إلى أن الولايات المتحدة عرضت إقامة صندوق مساعدة لإيران بمبلغ ضخم يصل إلى مائتين وخمسين مليار دولار كجزء من صفقة شاملة. لكن التقديرات الإسرائيلية تؤكد أن هذه الأموال لن تغير من طموحات النظام الإيديولوجية، بل ستعزز قناعته بأن الحصول على السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة والأساسية لضمان بقائه واستمراريته.
إن ضخ هذه السيولة المالية الضخمة في الشرايين الاقتصادية للنظام الإيراني سيعني تمويل أذرعه العسكرية في المنطقة وإعادة بناء ما دمرته الحرب في وقت قياسي. وبدلاً من دفع طهران نحو الاعتدال، يرى المراقبون أن المكافآت المالية ستكون بمثابة وقود جديد لمحرك الطموحات النووية. فالنظام الذي يشعر بالتهديد الوجودي لن يتخلى عن سلاحه الإستراتيجي مقابل حفنة من الدولارات، بل سيسعى لامتلاك القوة التي تمنع أي تهديدات مستقبلية مماثلة.
يرى بن شبات أن الخيار الأمثل من وجهة النظر الإسرائيلية هو انتهاء الفصل الحالي دون اتفاق ودون حرب شاملة، مما يبقي النظام تحت ضغط العقوبات والعزلة. لكن المحرر العسكري عاموس هرئيل يشير إلى أن نتنياهو يراهن على فشل المحادثات الأمريكية الإيرانية وعودة الطرفين إلى مربع الصراع المسلح. فهذا السيناريو يمثل النتيجة المفضلة لرئيس الوزراء الذي يرى في المواجهة العسكرية المباشرة الحل الوحيد لإنهاء التهديد الإيراني المتربص بحدود بلاده.
ارتباك القيادة الإيرانية وصراع الأجنحة خلف الكواليس
يستند الموقف الإسرائيلي المتشدد إلى رصد حالة من الارتباك العميق داخل أروقة القيادة الإيرانية، حيث تظهر علامات واضحة على نزاعات متصاعدة بين المعسكرات المختلفة. ويبدو أن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، يواجه صعوبات بالغة في ممارسة مهامه بعد إصابته في العملية الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل والده علي خامنئي في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ذلك اليوم الذي شهد اندلاع شرارة الحرب الكبرى التي غيرت موازين القوى في الإقليم.
تشير التقارير إلى أن علاقات مجتبى خامنئي بأعضاء القيادة الآخرين تتسم بالضعف والتوتر، ربما بسبب اختفائه المتكرر عن الأنظار نتيجة حالته الصحية، مما أثر سلباً على عملية اتخاذ القرارات الإستراتيجية. هذا الفراغ في القيادة العليا أدى إلى بروز خلافات حادة بين قيادة الحرس الثوري، التي تتردد في استئناف المفاوضات وتفضل التصعيد، وبين السياسيين المدنيين الذين يرغبون في استمرار الدبلوماسية لتأجيل أي هجوم أمريكي إسرائيلي جديد وشيك.
إن التنافس بين الجناح العسكري والجناح المدني في طهران يعكس حالة من التخبط في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة والضربات العسكرية المتلاحقة. فبينما يرى الحرس الثوري أن التراجع أمام المطالب الغربية يمثل انتحاراً سياسياً، يعتقد التكنوقراط أن الصمود العسكري دون غطاء اقتصادي سيؤدي إلى انهيار الدولة من الداخل. هذا الانقسام يخدم المصالح الإستراتيجية التي تسعى إليها إسرائيل، حيث يضعف قدرة النظام على الرد الموحد والحاسم في الأزمات.
في نهاية المطاف، يبدو أن المنطقة تقف على فوهة بركان، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية المعقدة. وسواء انتهت هذه المرحلة باتفاق هش أو بانفجار عسكري شامل، فإن الثابت الوحيد هو أن قواعد اللعبة القديمة قد انتهت تماماً. وتبقى العين الإسرائيلية ساهرة على كل تحرك في طهران، بانتظار اللحظة المناسبة لحسم الصراع الطويل وتأمين مستقبلها في إقليم مضطرب لا يعترف إلا بالقوة والسيطرة والقدرة على فرض الإرادة.
تطبيق نبض
