عاجل
الأربعاء 22 أبريل 2026 الموافق 05 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

بنت جبيل.. صمود أسطوري يحطم أهداف مشروع الخط الأصفر الإسرائيلي

تحيا مصر

​منذ منتصف شهر أبريل الجاري، تحولت مدينة بنت جبيل إلى بؤرة ملتهبة تتصدر واجهة الأحداث الميدانية في جنوب لبنان، حيث تستميت القوات الإسرائيلية في محاولاتها المحمومة للسيطرة على هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها تسعة كيلومترات مربعة. وتشن إسرائيل غارات مكثفة تزامناً مع توغلات برية تهدف لاقتحام المدينة التي أصبحت رمزاً للصمود التاريخي والمواجهة المباشرة.

​وحسب تقارير إعلامية ومتابعات للصحافة اللبنانية ووكالات الأنباء، فإن ما يحدث في بنت جبيل اليوم يتجاوز حدود العمل العسكري التقليدي إلى محاولة محو الذاكرة وتغيير الواقع الميداني. وتطبق القوات الإسرائيلية سياسة حصار خانق ترافقها غارات جوية لا تتوقف، مما حول الأحياء السكنية إلى ركام، في ظل معارك كر وفر ضارية تخوضها المقاومة اللبنانية للدفاع عن معقلها الإستراتيجي.

​تكشف التصريحات الصادرة عن القيادات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما قائد لواء المظليين، أن المعركة الحالية في بنت جبيل هي امتداد مباشر لإخفاقات عام 2006 وما قبله. ويؤكد القادة الميدانيون الإسرائيليون أن هدفهم هو إنهاء ما يسمونه "عقدة نصر الله"، حيث يحاول الجيش الإسرائيلي إثبات قدرته على التوغل في المناطق التي وصفت يوماً بأنها الحصن المنيع للمقاومة اللبنانية منذ عقود.

​يرتبط اسم مدينة بنت جبيل ارتباطاً وثيقاً بالخطاب الشهير الذي ألقاه الأمين العام الراحل لحزب الله، حسن نصر الله، في عام 2000 عقب الانسحاب الإسرائيلي. في ذلك الوقت، أعلن نصر الله من قلب المدينة أن إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت"، وهي العبارة التي تحولت إلى جرح غائر في الوعي العسكري الإسرائيلي، ما جعل المدينة هدفاً انتقامياً يسعى الاحتلال لتدميره كلياً.

بين التاريخ والحاضر.. لماذا تمثل المدينة عقدة أبدية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية؟

​يرى المحللون العسكريون أن إسرائيل لا تقاتل في مدينة بنت جبيل من أجل التوسع الجغرافي فحسب، بل من أجل استعادة صورة الردع التي تحطمت على مدرجات ملعبها. إن تعمد استهداف المواقع الرمزية التي شهدت خطابات النصر يعكس الرغبة الإسرائيلية في تحويل رمزية الصمود إلى رمزية للدمار، وهي محاولة يائسة لتغيير السردية التاريخية التي ترسخت في أذهان الأجيال.

​لقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن جيشه بات على وشك حسم المعركة في هذه المدينة، معتبراً أن السيطرة عليها تمثل إنجازاً سياسياً وعسكرياً كبيراً. هذا الاهتمام من أعلى الهرم السياسي يوضح أن بنت جبيل ليست مجرد بلدة حدودية، بل هي معيار للنجاح أو الفشل في الحرب البرية الجارية، ولذلك يتم توجيه كل الثقل العسكري نحوها.

​تعيش المدينة تحت وطأة غارات تدميرية تستهدف كل مقومات الحياة، حيث رصدت الأقمار الصناعية اختفاء أحياء كاملة وتحولها إلى فراغات مفتوحة. هذه السياسة التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي تهدف إلى جعل العودة للمدينة مستحيلة في المستقبل القريب، وهو ما يعزز المخاوف من تنفيذ مشروع "الخط الأصفر" الذي يرمي لعزل القرى الحدودية عن محيطها الطبيعي والديموغرافي.

الأهمية الإستراتيجية لموقع المدينة وتأثيرها على مسار العمليات الميدانية

​تمثل مدينة بنت جبيل نقطة ارتكاز جغرافي وعسكري لا غنى عنها في خريطة العمليات بجنوب لبنان، نظراً لكونها تقع عند تقاطع طرق حيوي يربط القطاعات. هذا الموقع يتيح لمن يسيطر عليه التحكم في ممرات الربط بين القطاعين الغربي والأوسط، مما يسهل حركة القوات أو يقطع أوصال الإمدادات اللوجستية للمقاومة التي تعتمد على تضاريس المنطقة الوعرة.

​إضافة إلى ذلك، تمنح التلال المرتفعة المحيطة بالمدينة جيش الاحتلال قدرة هائلة على السيطرة النارية المطلقة على المناطق المجاورة والحدودية بشكل مباشر ومكثف. ومن فوق هذه المرتفعات، يمكن استهداف أي تحرك في مستوطنات الجليل الأعلى أو في القرى اللبنانية المقابلة، مما يجعل المدينة بمثابة "برج مراقبة" طبيعي يتحكم في مسرح العمليات العسكرية بفعالية كبيرة.

​وتعد السيطرة على المدينة وسيلة لقطع خطوط الإمداد القادمة من العمق اللبناني باتجاه القرى الواقعة على الخط الأزرق مباشرة، مثل عيتا الشعب ورميش. وبسبب طبيعة الوديان والمغاور المحيطة بها، كانت المدينة دائماً مخزناً إستراتيجياً ومركزاً لإدارة العمليات، وهو ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على تحييد هذه الميزة الدفاعية الطبيعية التي تمتلكها المدينة منذ سنوات طويلة.

سياسة الأرض المحروقة وتدمير المعالم التاريخية والحيوية في المدينة

​أظهرت الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية "بلانيت لابس" أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بالعمليات العسكرية الجراحية، بل انتقل إلى التدمير الشامل والممنهج. لقد تلاشت معالم تاريخية وحيوية كانت تشكل هوية المدينة وذاكرتها الجماعية، حيث تعرضت الأسواق القديمة والمراكز الحكومية والمساجد لغارات مدمرة حولتها إلى أكوام من الركام في مشهد يوصف بالنكبة العمرانية.

​ومن أبرز المعالم التي طالها التدمير الكامل مدرسة عبد اللطيف سعد ومجمع أهل البيت ومسجد الإمام الحسين، إضافة إلى سوق الخميس التاريخي الشهير. هذه المواقع لم تكن أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، لكن استهدافها يندرج ضمن سياسة الأرض المحروقة التي تهدف لكسر إرادة السكان ومنعهم من التفكير في العودة إلى بنت جبيل بعد انتهاء العمليات العسكرية الحالية.

​كما تركز القصف بشكل خاص على "ملعب المدينة" الذي يمتلك مكانة رمزية خاصة مرتبطة بخطابات التحرير، حيث تفاخر المسؤولون الإسرائيليون بتدمير هذا الموقع تحديداً. إن تحويل هذا الصرح الرياضي والرمزي إلى حطام يعكس الطبيعة الانتقامية للمعركة، حيث تسعى إسرائيل لمحو أي أثر مادي يذكرها بالهزائم السابقة التي منيت بها على يد المقاومة في هذه البقعة.

صمود مستمر رغم الحصار وفشل الحسم العسكري السريع تحت النيران

​رغم الحجم الهائل من الدمار واستخدام أحدث التقنيات العسكرية والقوة التدميرية الهائلة، لا تزال المدينة تبدي صموداً أسطورياً يعيق التقدم الإسرائيلي السريع والمريح. وتستمر معارك الكر والفر في أحيائها الضيقة، حيث يواجه الجنود الإسرائيليون مقاومة شرسة تجعل من كل متر يتم التقدم فيه مغامرة محفوفة بالمخاطر، مما يطيل أمد المعركة التي أرادتها إسرائيل خاطفة.

​يشير المحللون إلى أن استعصاء المدينة على السقوط السريع يربك الحسابات الإسرائيلية التي كانت تعتمد على إحداث صدمة تدميرية تؤدي لانهيار الدفاعات بشكل كلي وتام. إن بقاء المقاومين داخل أنقاض المباني المدمرة واستخدامهم للأنفاق والتضاريس المعقدة يجعل من عملية التطهير العسكري مهمة شاقة ومكلفة بشرياً ومادياً للجيش الإسرائيلي الذي يواجه استنزافاً مستمراً في قوات النخبة.

​هذا الاستعصاء يعزز من مكانة المدينة كعقدة عسكرية وسياسية، حيث يراقب العالم بأسره كيف يمكن لبلدة صغيرة أن تقف في وجه آلة عسكرية ضخمة. إن الصمود داخل بنت جبيل يبعث برسائل قوية مفادها أن التفوق الجوي والسياسة التدميرية قد ينجحان في هدم الجدران، لكنهما يعجزان عن اقتلاع الإرادة الراسخة في التمسك بالأرض وحق الدفاع عن السيادة الوطنية.

مشروع الخط الأصفر ومحاولات التغيير الديموغرافي في المنطقة الحدودية

​تندرج المعركة الحالية ضمن رؤية إسرائيلية أوسع تهدف لإنشاء ما يسمى بـ"الخط الأصفر"، وهو شريط احتلالي جديد يهدف لعزل القرى الجنوبية عن عمقها الطبيعي. وتقع مدينة بنت جبيل في قلب هذا المشروع الجيوسياسي، حيث إن السيطرة عليها تمثل حجر الزاوية في بناء منطقة عازلة تضمن للأمن الإسرائيلي حماية مستوطنات الشمال من أي تهديدات مستقبلية محتملة.

​وتسعى إسرائيل من خلال تدمير البنية التحتية والمرافق العامة إلى دفع السكان نحو النزوح الدائم، وهي إستراتيجية قديمة جديدة تهدف لتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين. إن تحويل المدينة إلى منطقة غير قابلة للحياة هو جوهر سياسة الأرض المحروقة، حيث يتم استهداف خزانات المياه ومحطات الكهرباء والمستشفيات لضمان عدم وجود أي مقومات تدعم البقاء البشري فيها.

​ومع ذلك، فإن هذا المخطط يصطدم بالواقع الميداني الذي يثبت يوماً بعد يوم أن التغيير الديموغرافي بالقوة العسكرية هو رهان خاسر أمام صمود الناس. إن الارتباط بمدينة بنت جبيل يتجاوز الجانب المادي إلى الجانب الوجداني، وهو ما يجعل كل محاولات الاقتلاع تواجه بمقاومة شعبية وعسكرية ترفض الانصياع لإملاءات الاحتلال ومشاريعه الرامية لتمزيق وحدة الأراضي اللبنانية الجنوبية.

خاتمة المعركة.. هل تنجح إسرائيل في ترميم صورة الردع المنكسرة؟

​في نهاية المطاف، تظل معركة السيطرة على المدينة صراعاً مفتوحاً على كل الاحتمالات، حيث لم تنجح القوة النارية المفرطة في حسم الموقف بشكل نهائي حتى الآن. إن رغبة إسرائيل في ترميم صورة ردعها التي انكسرت قبل ربع قرن تصطدم بحقيقة أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها صياغة نصر معنوي في ظل مقاومة صلبة ومستمرة.

​وتبقى بنت جبيل شاهدة على تحولات الصراع العربي الإسرائيلي، من خطاب "بيت العنكبوت" إلى حرب الإبادة العمرانية التي تشهدها اليوم في ظل صمت دولي مطبق. إن نتائج هذه المعركة ستحدد ملامح المرحلة القادمة في جنوب لبنان، وسيكون لها أثر كبير على موازين القوى في المنطقة، سواء نجحت إسرائيل في التوغل أو بقيت المدينة صامدة.

​إن الإصرار على تكرار العبارات المفتاحية المرتبطة بالصمود والتحدي يعكس جوهر القضية، حيث تظل الأرض هي المعيار الوحيد للحقيقة في صراع الوجود الذي تخوضه المنطقة. وستبقى الذاكرة الجمعية للشعوب تحتفظ بصور الصمود في وجه العدوان، مهما بلغت درجة التدمير ومهما حاول الاحتلال فرض واقع جديد بالقوة الغاشمة التي لا تصنع سلاماً ولا تمنح أمناً.

تابع موقع تحيا مصر علي