من «الجولاني» إلى «الشرع»: لماذا يرى "داعش" في هيكلية دمشق الجديدة خطراً وجودياً؟
تنظيم داعش في مواجهة هيكلية سوريا الجديدة 2026، حيث شهدت الجغرافيا السورية مع إشراقة عام 2026 تحولاً جذرياً في موازين القوى، حيث انتقلت البلاد من دوامة الاضطرابات الداخلية المزمنة في الشمال والجنوب إلى مرحلة هدوء نسبي حذر.
وبدأت ملامح هيكلية أمنية وسياسية جديدة تتشكل في الأفق، متجسدة في اتفاقات استراتيجية مع قوى محلية.
ومع ذلك، برز تنظيم داعش كعامل تقويض رئيسي يسعى لزعزعة هذا الاستقرار الهش عبر تحركات أمنية مكثفة تستهدف الحواضن الاجتماعية والجيوب الجغرافية الممتدة.
وحسب تقرير مفصل نشرته الشرق الأوسط فإن منطقة الجزيرة السورية باتت اليوم الساحة الرئيسية لاختبار قدرة تنظيم داعش على البقاء والمناورة في ظل الواقع الميداني المعقد.
فقد أدى إطباق دمشق لسيطرتها على مناطق شرق الفرات في نهاية يناير الماضي، عقب الانسحاب الكلي للقوات الأمريكية، إلى خلق فراغ أمني مؤقت.
وحاول التنظيم توظيف هذا الفراغ لصالحه، مستهدفاً خطوط السيطرة الجديدة التي تشكلت بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية.
تداعيات الانسحاب الأمريكي والارتباك العملياتي في شرق سوريا
خلف الانسحاب الأمريكي من قواعد استراتيجية مثل خراب الجير ورميلان حالة من الارتباك العملياتي المؤقت في مفاصل السيطرة الميدانية بشرق البلاد.
هذا التحول العسكري المفاجئ منح خلايا التنظيم فرصة ذهبية لإعادة تنظيم صفوفها والتحرك بحرية أكبر في الممرات الصحراوية. وبدأت التقارير الاستخباراتية تشير إلى تصاعد ملحوظ في وتيرة العمليات الخاطفة التي تستهدف النقاط العسكرية المتقدمة.
ويسعى التنظيم من خلال هذه الهجمات إلى إثبات حضوره وتحدي السلطة المركزية الصاعدة.
وأفردت مجلة النبأ الأسبوعية، لسان حال التنظيم، مساحات واسعة للحديث عن التصعيد الأخير الذي استهدف حواجز أمنية حكومية في دير الزور والرقة. وتنوعت هذه العمليات بين زرع العبوات الناسفة المتطورة والقيام بهجمات مسلحة مباشرة ضد الدوريات المتنقلة. وبلغت ذروة هذه العمليات في شهر مارس من عام 2026، حيث نُفذ نحو 22 هجوماً دموياً. واستهدفت هذه التحركات العنيفة مواقع عسكرية حساسة وتجمعات مدنية، مما أثار مخاوف جدية من عودة شبح الإرهاب.
استراتيجية حرب العصابات والوصول إلى الأهداف العسكرية النوعية
يعد الهجوم الأخير على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في قلب دير الزور مؤشراً خطيراً على تطور قدرات التنظيم العملياتية. فقد تمكنت مجموعاته من اختراق التحصينات القريبة من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، وهو ما يعكس قدرة عالية على الوصول لأهداف نوعية. وتحول التنظيم بشكل كامل إلى أسلوب حرب العصابات، معتمداً على مجموعات صغيرة متنقلة في البادية السورية الشاسعة. وتوفر الطبيعة الجغرافية الوعرة ملاذاً آمناً لهذه العناصر بعيداً عن الرصد.
ورغم كثافة الغارات الجوية التي شنتها الطائرات المسيرة على مواقع التنظيم في الصحراء، إلا أن مرونته الهيكلية لا تزال تمنحه القدرة على المناورة. وتعمل هذه الخلايا وفق مبدأ اللامركزية المطلقة، مما يجعل من الصعب القضاء عليها بضربة واحدة. ويستغل قادة التنظيم المساحات المفتوحة بين المحافظات الشرقية لشن هجمات مباغتة ثم التواري عن الأنظار بسرعة فائقة. وتعتمد هذه الاستراتيجية على استنزاف القوات الحكومية وإجبارها على البقاء في حالة استنفار دائم ومكلف.
الحرب الفكرية والخطاب الهجومي لمؤسسة الفرقان الإعلامية
في مطلع فبراير 2026، بث تنظيم داعش خطاباً إعلامياً جديداً عبر مؤسسة الفرقان، حمل توقيع المتحدث باسمه أبو حذيفة الأنصاري. وحاول الخطاب إعادة تعريف التنظيم كقوة مقاومة شرعية وحيدة في مواجهة النظام السياسي الجديد بدمشق. وانتقل التنظيم من سياسة الترقب والمراقبة إلى مرحلة الهجوم الفكري الشامل، موظفاً النصوص الدينية لتبرير عملياته الإجرامية. ويهدف هذا التصعيد الإعلامي إلى رفع معنويات العناصر المتبقية وجذب متعاطفين جدد من الفئات المحبطة اجتماعياً.
وركزت مجلة النبأ في عددها الصادر منتصف فبراير على مهاجمة الحكومة السورية الجديدة، واصفة إياها بنسخة محدثة من الردة السياسية. ووجه التنظيم سهام نقده بشكل خاص نحو الرئيس السوري أحمد الشرع، مستخدماً اسمه الحركي السابق "أبو محمد الجولاني" للتشكيك في شرعيته. ويرى التنظيم أن تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة يمثل خيانة عظمى للمشروع الجهادي العالمي. ويسعى التنظيم عبر هذا الخطاب إلى إحداث انشقاقات داخل الفصائل المعارضة.
التشكيك في الكفاءة العسكرية واستقطاب العناصر المحبطة
يحاول التنظيم استغلال حالة الإحباط لدى بعض العناصر السلفية داخل هيئة تحرير الشام والفصائل الأخرى التي تم دمجها في الجيش الجديد. ويدعي التنظيم أن سياسات الاحتواء والدمج تمثل تساهلاً مع رموز النظام السابق المسؤولين عن الانتهاكات. كما يركز في دعايته على انضمام سوريا للتحالف الدولي لمكافحة الإهارب، معتبراً ذلك مسوغاً شرعياً لقتال الحكومة. ويهدف هذا التكتيك إلى خلق حالة من عدم الثقة بين القيادة السياسية والقواعد العسكرية في التشكيلات الحديثة.
ومن خلال تكثيف العمليات العسكرية في فبراير ومارس، يسعى التنظيم للتشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار الشامل. وتتجاوز هذه الأهداف البعد العقائدي لتصل إلى ضرب الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الناشئة أمام الرأي العام. ويزعم التنظيم في أدبياته أن وجود الشرع في السلطة هو حاجة أمريكية لاستمرار الحرب ضده. ويحاول تقديم نفسه كبديل لا يساوم على القيم، مستغلاً النزاعات المحلية والمظالم الاجتماعية لتمرير أجندته التوسعية في المناطق النائية.
الرهان على التناقضات الاجتماعية والمخاوف العشائرية في الشرق
يراهن تنظيم داعش بشكل كبير على التناقضات الاجتماعية الناتجة عن عودة سلطة الدولة لمناطق خضعت سنوات طويلة لإدارات ذاتية أو نفوذ دولي. ويحاول التنظيم استغلال المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، مقدماً نفسه كحليف سري ضد أي تجاوزات أمنية محتملة. كما أن انشغال الأجهزة الأمنية بتتبع فلول الميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنحه مساحة للحركة في الشرق. ويمتلك التنظيم قدرات مالية كافية لإدامة زخم عملياته رغم انحسار سيطرته الجغرافية المباشرة على المدن الكبرى.
وتتمثل إحدى نقاط قوة التنظيم في اللامركزية التي مُنحت للولايات الفرعية بعد مقتل خليفته الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي. ويسمح هذا النظام للمجموعات المحلية بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للتعقب الاستخباراتي. كما نجح التنظيم في إنشاء مضافات مصغرة وقواعد دعم في مناطق وعرة بجبل العمور وبادية حمص. وتتطلب عملية تطهير هذه المناطق جهداً عسكرياً ضخماً يتجاوز قدرات الدوريات العادية، نظراً لتعقيد التضاريس والانتشار الواسع للخلايا النائمة.
تحديات التجنيد في المخيمات والرقابة على المنصات المشفرة
يركز التنظيم جهوده الحالية على استقطاب الجيل الجديد من المراهقين والشباب الناشئين في مخيمات النزوح والظروف الاقتصادية المنهارة. ويعتمد في عمليات التجنيد هذه على تطبيقات حديثة ومنصات مشفرة بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية المشددة. ويستغل الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات المحلية بالتهميش في ظل التوازنات السياسية الجديدة. ويمثل هذا التوجه خطراً طويل الأمد، حيث يسعى التنظيم لبناء قاعدة بشرية مؤمنة بأفكاره لضمان استمرارية نشاطه في المستقبل القريب والبعيد.
وفي المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين دمشق والتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. فقد حرم هذا التعاون التنظيم من ميزة اللعب على التناقضات بين القوى الدولية الكبرى التي كانت قائمة سابقاً. كما أن التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة جعل من الجغرافيا الصحراوية عبئاً على عناصر التنظيم بدلاً من كونها عامل دعم. وتلاحق القوات الحكومية هذه الخلايا بشكل مستمر، مما أدى لتقليص قدرتها على تنفيذ عمليات واسعة.
حملات التطهير الأمني وتغير ميزان المبادرة الميدانية
منذ أواخر فبراير 2026، أطلقت وزارة الداخلية السورية حملة تطهير أمني واسعة بالتنسيق مع وحدات النخبة في الجيش السوري. وشملت العمليات تمشيطاً دقيقاً لريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، بالإضافة إلى مداهمات نوعية في محيط حلب والساحل. وأدت هذه الحملة إلى إحباط عملية إرهابية كبرى كانت تستهدف منشآت حيوية داخل مدينة حلب في مارس الماضي. وساهمت هذه الضربات الاستباقية في إضعاف شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وتفكيك ثلاث خلايا نائمة كانت تخطط لهجمات متزامنة.
ومع انتصاف شهر مارس، بدأت تظهر علامات الانحسار العملياتي بوضوح، حيث تراجعت وتيرة الهجمات إلى مستويات دنيا غير مسبوقة. ورصدت المصادر الميدانية انتقال مجموعات صغيرة من التنظيم نحو أطراف الرقة ودير الزور لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني. وكشفت تقارير محلية عن لجوء بعض العناصر لطلب تسويات مع السلطات نتيجة نقص التمويل وشح الموارد الطبية والغذائية. ويعكس هذا التراجع نجاح المقاربة الأمنية الشاملة التي تتبعها الدولة في تجفيف منابع الإرهاب وملاحقة فلوله.
مستقبل المواجهة وسيناريوهات الاختباء وإعادة البناء
تشير المعطيات الحالية إلى أن تنظيم داعش دخل في مرحلة كمون تكتيكي، تتمثل في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة المباشرة. ويهدف التنظيم من هذه الخطوة إلى إعادة ترتيب قيادته وتقييم الخيارات المستقبلية المتاحة في ظل المتغيرات المتسارعة. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة الاختباء وإعادة البناء التي يتبعها التنظيم عادة عقب الخسائر الكبيرة. ويراهن التنظيم على أي ثغرة أمنية أو تدهور في المستوى المعيشي لإعادة كسب موطئ قدم له في المجتمعات المحلية.
ويبقى نجاح الحكومة السورية في بناء جيش وطني موحد وتحقيق استقرار اقتصادي هو الرهان الأكبر للقضاء على تهديد التنظيم نهائياً. إن دمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة سيسحب البساط من تحت أقدام المحرضين والمجندين لصالح الفكر المتطرف. ورغم فقدان التنظيم لهالة التمكين في عام 2026، إلا أن إرادة القتال لديه لا تزال تشكل تهديداً يتطلب يقظة دائمة. وستكون الأشهر القادمة حاسمة في رسم ملامح المواجهة النهائية وتحديد مدى قدرة الدولة على الحفاظ على منجزاتها الأمنية.
تطبيق نبض
