المعلم سردينة.. شخصية رفضها الجميع وصنع بها عبد الرحمن أبو زهرة مجداً تاريخياً
تحدث الفنان الراحل عن أسرار تجسيد شخصية المعلم سردينة التي تعد واحدة من أيقونات الدراما المصرية الخالدة في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي».
أوضح في لقاء تلفزيوني مع الإعلامية إسعاد يونس أن هذا الدور الاستثنائي لم يكن مرشحاً له في النسخة الأولى من السيناريو بل جاء كإنقاذ للموقف بعد اعتذار عدة فنانين كبار عن القيام بالدور لأسباب مختلفة مما جعل القدر يقوده للبطولة.
كشف أبو زهرة عن تفاصيل مثيرة تتعلق بآلية اختياره لهذا العمل الفني الضخم الذي لا يزال يحظى بمتابعة ملايين المشاهدين رغم مرور عقود طويلة على عرضه الأول إذ أشار إلى أن المخرج أحمد توفيق اتصل به بشكل مفاجئ ليخبره بضرورة الحضور إلى موقع التصوير في اليوم التالي مباشرة للبدء في تنفيذ المشاهد المقررة لشخصية كبير وكالة البلح.
قصة ترشيح المعلم سردينة للدراما المصرية
استعاد النجم الراحل ذكرياته مع المخرج أحمد توفيق الذي ربطته به علاقة صداقة وطيدة وعمل مشترك لسنوات طويلة حيث أكد أن المخرج هاتفه بلهجة حاسمة وطلب منه الاستعداد لتصوير أولى مشاهده في صباح اليوم التالي وهو ما أثار دهشة أبو زهرة الذي لم يكن قد قرأ السيناريو أو اطلع على ملامح الشخصية التي سيؤديها أمام الفنان الراحل نور الشريف في ذلك العمل الملحمي.
وعبّر الفنان عن استغرابه الشديد من سرعة الطلب وضيق الوقت المتاح للتحضير فكيف يمكن لممثل محترف أن يبدأ تصوير دور رئيسي دون دراسة كافية للأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصية لكن المخرج طمأنه بكلمات بسيطة قائلاً إنه سيشرح له كل التفاصيل الدقيقة داخل بلاتوه التصوير وسيوضح له مفاتيح الأداء المطلوبة لإقناع الجمهور بشخصية التاجر الحكيم الذي يحتضن البطل الشاب في بداياته الصعبة.
تفاصيل حوار برنامج صاحبة السعادة
أكد أبو زهرة في حديثه المطول خلال برنامج «صاحبة السعادة» أن المخرج أحمد توفيق كان يمتلك رؤية ثاقبة في اختيار الممثلين وقدرة فائقة على إقناعهم بالأدوار الصعبة حيث أخبره أن شخصية المعلم سردينة تحتاج إلى هيبة خاصة ووقار طبيعي يمتزج بطيبة القلب والحزم في آن واحد وهي السمات التي رآها المخرج متوفرة بوضوح في ملامح وأداء عبد الرحمن أبو زهرة المتميز.
ولم يخفِ الفنان القدير قلقه في الليلة التي سبقت التصوير حيث ظل يفكر في كيفية إتقان لغة تجار الوكالة وطريقة حديثهم وحركاتهم الجسدية المميزة التي تجعل من الشخصية واقعية وملموسة للناس إلا أن ثقته في المخرج وموهبته الفطرية دفعته لقبول التحدي والمغامرة بتقديم دور لم يخطط له مسبقاً ليصبح فيما بعد من أهم العلامات الفارقة في تاريخه الفني الحافل بالعطاء.
كواليس المكالمة الهاتفية مع المخرج
روى الفنان تفاصيل المشهد الأول الذي صوره في المسلسل وهو مشهد سقوط المخزن القديم على رأس الشاب عبد الغفور البرعي حيث وصف تلك اللحظات بأنها كانت مليئة بالبساطة والعفوية رغم ضخامة الحدث الدرامي إذ كانت الجمل الحوارية مكتوبة بسلاسة مكنته من الاندماج سريعاً مع الشخصية وتقمص روح التاجر الأمين الذي يشعر بالمسؤولية تجاه العمال والشباب المكافحين في منطقته التجارية.
وأبدى أبو زهرة تعجبه الشديد من الحالة الاستثنائية التي خلقها المسلسل في وجدان الشعب العربي عامة والمصري خاصة حيث تحول المعلم سردينة إلى رمز للحكمة والشهامة والقدوة الحسنة في عالم التجارة والعمل وهو ما لم يتوقعه أبطال العمل أثناء التصوير إذ كانوا يؤدون أدوارهم بإخلاص شديد دون التفكير في حجم النجاح الأسطوري الذي سيحققه المسلسل بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً.
سر النجاح الجماهيري لشخصية المعلم سردينة
أشار النجم الراحل بمرارة مشوبة بالانتصار الفني إلى أن جميع الزملاء الذين اعتذروا عن أداء الدور في البداية ندموا ندماً شديداً بعد رؤية النجاح الساحق الذي حققته الشخصية وردود الفعل الواسعة التي تلقاها من الجمهور والنقاد حيث أصبح اسم سردينة يتردد في كل بيت مصري كنموذج للرجل الذي يبني الرجال ويعلمهم أصول المهنة والحياة بصدق وأمانة تفتقدها الكثير من الأعمال الفنية.
واعتبر الفنان الراحل أن توفيق الله كان حليفه في قبول هذا العرض المفاجئ الذي جاء في توقيت حساس من مسيرته المهنية ليثبت للجميع أن الممثل المبدع قادر على تحويل أي نص مكتوب إلى لحم ودم ونبض يشعر به المشاهد ويتفاعل معه وكأنه فرد من عائلته وهذا ما حدث بالفعل مع شخصية المعلم سردينة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التراث الدرامي العربي الأصيل.
ندم النجوم الذين رفضوا الدور التاريخي
تطرق أبو زهرة في ذكرياته إلى أهمية الصبر والإخلاص في العمل الفني وكيف أن الصدفة قد تلعب دوراً محورياً في صناعة النجومية الحقيقية التي لا تنطفئ بمرور الزمن موضحاً أن اعتذار الآخرين لم يكن بسبب ضعف النص بل لعدم قدرتهم على استشراف القيمة الفنية المختبئة بين سطور الشخصية وهو ما التقطه هو بذكائه المعهود وخبرته الطويلة في تشخيص الأدوار الصعبة والمركبة.
واليوم ومع رحيل هذا الهرم الفني الكبير الذي وافته المنية صباح اليوم الحادي عشر من مايو لعام ألفين وستة وعشرين نستذكر رحلته الطويلة التي بدأت من مسارح الدولة وصولاً إلى قمة المجد السينمائي والتلفزيوني حيث ترك خلفه إرثاً غنياً من الأعمال التي ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال كشاهد على موهبة فذة لن تتكرر بسهولة في تاريخ الفن المصري المعاصر الذي فقد برحيله ركناً أساسياً.
وداعاً صاحب شخصية المعلم سردينة الشهيرة
خلف رحيل الفنان عبد الرحمن أبو زهرة اليوم حالة من الحزن العميق في الأوساط الفنية والثقافية حيث نعت نقابة المهن التمثيلية والعديد من المؤسسات الرسمية هذا المبدع الذي أفنى حياته في خدمة الفن الهادف والراقي محققاً توازناً نادراً بين الهيبة والكوميديا وبين الأدوار التاريخية الجادة والشخصيات الشعبية القريبة من قلوب الناس البساطة والذين أحبوه بشدة في كل إطلالاته.
غادرنا صاحب الشخصية الخالدة المعلم سردينة جسداً لكنه سيبقى حياً بأعماله وبصماته التي لا تمحى حيث ستظل نصائحه لعبد الغفور البرعي في المسلسل مدرسة في الأخلاق والعمل يتعلم منها الشباب معاني الكفاح والنجاح الحقيقي القائم على الشرف والمثابرة رحم الله الفنان القدير الذي كان معلماً في فنه وفي حياته وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان على هذا المصاب الجلل.
تطبيق نبض