خبير لـ تحيا مصر: الهند لم تصدّر البرمجيات فقط.. بل صدّرت كفاءة نظامها الإداري
أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز التشغيلي، أن تجربة الهند في تصدير خدمات البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات لا يجب أن تُقرأ باعتبارها قصة نجاح تقني فقط، بل باعتبارها نموذجًا إداريًا واستراتيجيًا استطاع تحويل التعليم والمهارات البشرية إلى قيمة اقتصادية قابلة للتصدير.
صدّرت نتيجة نظام إداري أدرك أن رأس المال البشري ليس عبئًا على الدولة
وأوضح الدكتور سعيد السعيطي، لـ تحيا مصر ، أن الهند لم تصدّر البرمجيات وحدها، بل صدّرت نتيجة نظام إداري أدرك أن رأس المال البشري ليس عبئًا على الدولة، ولا مجرد رقم في قوائم الخريجين، بل أصل استراتيجي يمكن تنميته وتدريبه وتوجيهه نحو السوق العالمي، بما يخلق عائدًا اقتصاديًا مستدامًا.
وأشار الدكتور سعيد السعيطي إلى أن قوة التجربة الهندية تظهر بوضوح في الأرقام؛ إذ تشير بيانات وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات الهندية، نقلًا عن NASSCOM، إلى أن صادرات تكنولوجيا المعلومات الهندية بلغت نحو 224.4 مليار دولار في العام المالي 2024/2025، بينما قدرت NASSCOM إجمالي إيرادات قطاع التكنولوجيا الهندي بنحو 282.6 مليار دولار في العام نفسه، وهو ما يعكس أن المسألة لم تعد نجاح شركات منفردة، بل نجاح منظومة كاملة في تحويل المهارة إلى صناعة تصديرية.
وأضاف الدكتور سعيد السعيطي أن الدرس الأهم في التجربة الهندية لا يكمن في عدد المبرمجين أو حجم شركات التكنولوجيا فقط، بل في وجود رؤية واضحة ربطت بين التعليم، والتدريب، واللغة، والتخصص، وسوق العمل العالمي. فالدول التي تملك رؤية لا تسأل فقط عن عدد الخريجين، بل تسأل عن القيمة التي يستطيع هؤلاء الخريجون إنتاجها، والمهارات التي يمكن تحويلها إلى خدمات قابلة للتصدير.
القيادة لا تعني إدارة الواقع كما هو فقط بل تعني إعادة تشكيل الإمكانات المتاحة وتحويلها إلى مصادر قوة
وأكد الدكتور سعيد السعيطي أن جوهر القيادة الاستراتيجية يظهر هنا بوضوح؛ فالقيادة لا تعني إدارة الواقع كما هو فقط، بل تعني إعادة تشكيل الإمكانات المتاحة وتحويلها إلى مصادر قوة. فالهند امتلكت كثافة سكانية كبيرة، لكنها لم تترك هذه الكثافة تتحول إلى ضغط اجتماعي فقط، بل عملت على تحويل جزء كبير منها إلى قوة عمل معرفية قادرة على المنافسة عالميًا.
قراءة التجربة الهندية لا تعني الدعوة إلى استنساخها كما هي
ولفت الدكتور سعيد السعيطي إلى أن قراءة التجربة الهندية لا تعني الدعوة إلى استنساخها كما هي، لأن لكل دولة ظروفها وقدراتها وسوقها، لكنها تعني التقاط الدرس الأهم: تحويل الإنسان من رقم سكاني إلى قدرة إنتاجية، وتحويل التعليم من مسار للحصول على شهادة إلى مسار لإنتاج قيمة.
وأوضح الدكتور سعيد السعيطي أن مصر تمتلك عناصر قوة لا يمكن تجاهلها، من بينها كتلة شبابية كبيرة، وموقع جغرافي متميز، وتكلفة تشغيلية تنافسية، وقدرات لغوية قابلة للتطوير، وقرب من أسواق عربية وأفريقية وأوروبية تحتاج إلى خدمات رقمية وتشغيلية متقدمة. غير أن امتلاك العناصر لا يكفي وحده، لأن الميزة التنافسية لا تولد من الموارد، بل من حسن إدارتها.
وأشار الدكتور سعيد السعيطي إلى أن الفرصة المصرية لا تبدأ من فراغ؛ إذ تشير بيانات هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات إلى أن صادرات مصر من خدمات التعهيد والخدمات الرقمية بلغت نحو 4.8 مليار دولار في عام 2025، مع وجود أكثر من 240 شركة تعهيد و270 مركز تقديم خدمات عالمي، وهو ما يؤكد أن مصر تمتلك قاعدة قائمة يمكن تطويرها إذا جرى التعامل معها كمنظومة تصدير معرفي لا كمبادرات متفرقة.
وشدد الدكتور سعيد السعيطي على أن الفرق بين دولة تملك الموارد ودولة تحقق النتائج هو وجود النظام. فالنظام هو الذي يحول التعليم إلى مهارة، والمهارة إلى خدمة، والخدمة إلى صادرات، والصادرات إلى نمو مستدام. أما المبادرات المنفصلة، مهما كانت جيدة، فإنها تظل محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى منظومة تشغيلية متكاملة.
وأشار الدكتور سعيد السعيطي إلى أن السؤال الحقيقي أمام مصر ليس: هل نستطيع تكرار تجربة الهند؟ بل: كيف نبني نموذجًا مصريًا خاصًا في اقتصاد المعرفة؟ نموذج يبدأ من التعليم، ويمر بالتدريب العملي، ويتصل بالشركات، ويقيس الأداء، وينتهي بخدمات قابلة للتصدير في مجالات مثل البرمجة، واختبار البرمجيات، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وخدمات التعهيد، والدعم الفني، والتصميم، والاستشارات، وإدارة الجودة.
وأكد الدكتور سعيد السعيطي أن الفرصة المصرية لا ينبغي أن تنحصر في البرمجة وحدها، لأن اقتصاد المعرفة أوسع من ذلك. فهناك فرص حقيقية في مراكز الاتصال متعددة اللغات، وخدمات الدعم الفني، والمحاسبة الرقمية، واختبار البرمجيات، وتحليل البيانات، وخدمات الجودة، والتصميم، والاستشارات التشغيلية. المهم أن تُدار هذه المجالات كصادرات خدمية منظمة، لا كوظائف فردية متفرقة.
وأوضح الدكتور سعيد السعيطي أن الدور الأمثل للدولة في هذا الملف لا يتمثل في محاولة نسخ التجربة الهندية، بل في بناء منظومة وطنية لصناعة المهارة القابلة للتصدير؛ تبدأ من تطوير المناهج، وتمر بالتدريب العملي، وربط الجامعات والشركات، وتحفيز شركات التعهيد والخدمات الرقمية، وتنتهي بمؤشرات أداء تقيس عدد الخريجين المؤهلين فعليًا للعمل في السوق العالمي، لا عدد الحاصلين على شهادات فقط.
وأضاف الدكتور سعيد السعيطي أن التعليم في هذه المعادلة لا يجب أن يُدار كملف خدمي فقط، بل كمشروع وطني لإنتاج القيمة. فكل طالب يتم تدريبه على مهارة حقيقية، وكل خريج يتقن لغة وسوقًا وأداة رقمية، وكل جامعة ترتبط باحتياجات الصناعة والخدمات، يمثل فرصة تصديرية محتملة إذا وُضعت داخل منظومة واضحة الأهداف والقياس.
وأشار الدكتور سعيد السعيطي إلى أن معيار النجاح في السنوات المقبلة لا ينبغي أن يكون عدد المتدربين أو المبادرات فقط، بل حجم الصادرات الخدمية، وعدد الوظائف عالية القيمة، ونسبة الخريجين المؤهلين فعليًا، وقدرة الشركات المصرية على اختراق أسواق عالمية مستقرة. فالإدارة الجيدة لا تقيس النشاط فقط، بل تقيس الأثر.
وأشار الدكتور سعيد السعيطي إلى أن الاستدامة هنا لا تعني فقط الحفاظ على الموارد الطبيعية، بل تعني أيضًا بناء اقتصاد يعتمد على معرفة متجددة لا على مورد ناضب. فالاقتصاد القائم على المهارة أكثر قدرة على النمو، لأنه يتوسع بالتعلم، ويتطور بالابتكار، ويتعزز بجودة الإدارة.
وأكد الدكتور سعيد السعيطي أن مصر لا تحتاج إلى أن تبدأ من الصفر، لكنها تحتاج إلى الانتقال من منطق التعليم من أجل الشهادة إلى منطق التعليم من أجل القيمة، ومن إدارة الموارد البشرية كأعداد إلى إدارتها كقدرات، ومن النظر إلى الشباب باعتبارهم تحديًا سكانيًا إلى التعامل معهم باعتبارهم أهم أصل استراتيجي تمتلكه الدولة.
واختتم الدكتور سعيد السعيطي بالتأكيد على أن الهند لم تصدّر البرمجيات فقط، بل صدّرت نتيجة نظام أدرك أن الإنسان المؤهل هو أعظم منتج يمكن أن تملكه دولة. وهذا هو الدرس الأهم لمصر: أن المستقبل لن تصنعه الموارد وحدها، بل تصنعه جودة القيادة، ووضوح الرؤية، وكفاءة التنفيذ، واستدامة الاستثمار في الإنسان.
تطبيق نبض
