الدعم النقدي تحت قبة البرلمان.. انقسام نيابي بين التطوير والرفض وتحذيرات من تأثيره على ملايين المواطنين
عاد ملف الدعم إلى صدارة المناقشات البرلمانية خلال اجتماع لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، في ظل الجدل المتصاعد بشأن توجه الحكومة نحو التحول من منظومة الدعم العيني إلى الدعم النقدي. وبينما ترى الحكومة أن تطوير آليات الدعم يهدف إلى تحسين كفاءة الاستهداف وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، أبدى عدد من النواب مخاوفهم من انعكاسات هذا التحول على الأوضاع المعيشية للمواطنين، خاصة في ظل استمرار معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
وشهد الاجتماع طرح رؤى ومقترحات متعددة تناولت مستقبل برامج الحماية الاجتماعية، وآليات الحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين، وضمان العدالة في توزيع الدعم، بالإضافة إلى مناقشة سبل التمكين الاقتصادي للأسر المستفيدة. وفي المقابل، برزت أصوات برلمانية رافضة للتحول إلى الدعم النقدي، معتبرة أن الظروف الاقتصادية الحالية لا تسمح بالتخلي عن منظومة الدعم العيني التي تمثل، بحسب رأيهم، شبكة الأمان الأساسية لملايين الأسر المصرية.
محمد فؤاد يطرح رؤية متكاملة لتطوير منظومة الدعم النقدي
قدم النائب محمد فؤاد، عضو مجلس النواب، رؤية شاملة لتطوير منظومة الدعم النقدي، مؤكدًا أن نجاح أي برنامج للحماية الاجتماعية لا يقاس فقط بحجم الأموال المخصصة له، وإنما بمدى قدرته على الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين، وتحقيق العدالة في الاستهداف، وتوفير فرص حقيقية للتمكين الاقتصادي تساعد المواطنين على تحسين أوضاعهم المعيشية بصورة مستدامة.
وأشار فؤاد إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه برامج الدعم يتمثل في كيفية الحفاظ على القيمة الفعلية للمساعدات النقدية في ظل المتغيرات الاقتصادية المستمرة، لافتًا إلى أن الدعم النقدي قد يفقد جزءًا من تأثيره إذا لم تتم مراجعته بصورة دورية تعكس التطورات الحقيقية في مستويات الأسعار.
مراجعة آلية ربط الدعم بمعدلات التضخم
أكد النائب أن الاعتماد على متوسطات التضخم العامة لتحديث قيمة الدعم لا يعكس بدقة طبيعة الإنفاق لدى الأسر منخفضة الدخل، موضحًا أن هذه الفئات تنفق النسبة الأكبر من دخولها على الغذاء والمرافق والنقل والخدمات الأساسية، وهي قطاعات قد تشهد معدلات تضخم تختلف بشكل ملحوظ عن المعدل العام للتضخم.
وأوضح أن استمرار العمل بالمؤشرات العامة قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في القوة الشرائية للأسر المستفيدة، رغم استمرار حصولها على الدعم النقدي، وهو ما ينعكس سلبًا على فعالية برامج الحماية الاجتماعية وقدرتها على تحقيق أهدافها.
ودعا إلى اعتماد مؤشر تضخم مرجح يعتمد على السلة الاستهلاكية الفعلية للفئات المستهدفة، مع إجراء مراجعات دورية لقيمة الدعم بما يضمن الحفاظ على مستواه الحقيقي وقدرته على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
معايير استحقاق واضحة وقابلة للقياس
وحذر فؤاد من الاعتماد على مؤشرات عامة أو غير دقيقة عند تحديد المستحقين للدعم، مثل ملكية السيارات أو وجود سجل تجاري، مشيرًا إلى أن هذه المؤشرات قد لا تعكس بالضرورة الحالة الاقتصادية الحقيقية للأسرة.
وأكد أن غياب معايير واضحة قد يؤدي إلى تفاوت في التطبيق بين الجهات المختلفة، وزيادة أعداد التظلمات، واستبعاد أسر مستحقة من منظومة الدعم.
وطالب بوضع معايير استحقاق معلنة وقابلة للقياس الكمي، إلى جانب إنشاء منظومة رسمية للتظلمات تتيح مراجعة الحالات بصورة دورية وتصحيح الأخطاء وإعادة تقييم المستحقين وفق بيانات محدثة.
التمكين الاقتصادي بدلاً من الاعتماد الدائم على الدعم
وشدد عضو مجلس النواب على أهمية ألا تقتصر منظومة الدعم على تقديم تحويلات نقدية فقط، وإنما يجب أن تتضمن مسارًا واضحًا للتمكين الاقتصادي يساعد الأسر القادرة على الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على الدعم إلى الاعتماد على مصادر دخل مستقرة ومستدامة.
وأوضح أن هناك ضرورة للتمييز بين الفئات التي تحتاج إلى دعم دائم بسبب ظروفها الاجتماعية أو الصحية، وبين الفئات التي تحتاج إلى دعم انتقالي مؤقت يساعدها على تجاوز الظروف الاقتصادية الصعبة.
ودعا إلى ربط منظومة الدعم ببرامج التشغيل والتدريب المهني، والتوسع في دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتعزيز الشمول المالي بما يتيح للأسر المستفيدة فرصًا أكبر لتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
وأكد أن الخروج من منظومة الدعم يجب أن يكون نتيجة طبيعية لتحسن الأوضاع الاقتصادية للأسر وليس هدفًا إداريًا يتم فرضه على المواطنين.
التحول من استبعاد غير المستحقين إلى تحديد المستحقين بدقة
وأشار فؤاد إلى أن التركيز على استبعاد غير المستحقين فقط قد يؤدي إلى أخطاء اجتماعية واقتصادية كبيرة، موضحًا أن استبعاد أسرة مستحقة من الدعم قد تكون له آثار أكثر خطورة من إدراج أسرة غير مستحقة لفترة مؤقتة.
وأضاف أن التجارب الدولية الناجحة تعتمد على تقييم شامل يشمل الدخل والثروة ومستويات الإنفاق ومؤشرات الهشاشة الاجتماعية، وليس فقط استبعاد بعض الفئات بناءً على معايير جزئية.
وطالب بتطوير نظام موحد لتقييم الاستحقاق يعتمد على قواعد بيانات مترابطة ومحدثة بشكل مستمر لضمان أعلى درجات الدقة والعدالة.
قياس الأثر التنموي وتعزيز الحوكمة
كما دعا إلى إنشاء إطار متكامل لمتابعة الأداء وقياس النتائج، بما يحول برامج الدعم من مجرد آليات للتحويلات النقدية إلى أدوات للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وأوضح أن منظومة القياس يجب أن تشمل مؤشرات الفقر ومستويات المعيشة والأمن الغذائي ومعدلات التشغيل وكفاءة الاستهداف ونسب الخروج من الدعم، بالإضافة إلى قياس مستوى رضا المستفيدين عن الخدمات المقدمة.
وفيما يتعلق بالحوكمة، شدد على أهمية التنسيق المؤسسي بين الجهات المختلفة، محذرًا من مخاطر تداخل الاختصاصات وتكرار قواعد البيانات وتباين معايير التطبيق.
وطالب بإنشاء إطار حوكمة موحد يتضمن جهة مركزية مسؤولة عن الإشراف والتنسيق، إلى جانب لجنة تنفيذية دائمة تضمن تكامل قواعد البيانات والسياسات المختلفة، مع تطبيق البرنامج على مراحل تبدأ بمشروعات تجريبية قبل التوسع الكامل، وإصدار تقارير دورية عن الأداء والنتائج لضمان الشفافية والمساءلة.
أحمد فرغلي يعلن رفضه الكامل للتحول إلى الدعم النقدي
من جانبه، أعلن النائب أحمد فرغلي رفضه التام لتوجه الحكومة نحو تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي، معتبرًا أن هذا التوجه يأتي في إطار معالجة الاختلالات الاقتصادية وعجز الموازنة من خلال تقليص أوجه الدعم المقدمة للمواطنين.
وأكد أن التحول إلى الدعم النقدي قد يؤدي إلى زيادة الأعباء المعيشية على الأسر المصرية، خصوصًا في ظل استمرار معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات، مشيرًا إلى أن الدعم العيني يمثل ضمانة حقيقية لوصول السلع الأساسية إلى مستحقيها بصورة مباشرة.
انتقادات للسياسات الاقتصادية الحالية
وأوضح فرغلي أنه تقدم بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس الوزراء بشأن سياسات الحكومة المرتبطة بملف الدعم، معربًا عن اعتراضه على ما وصفه بالحذف العشوائي لبعض البطاقات التموينية.
كما انتقد الزيادات المتتالية في أسعار الوقود والكهرباء، مؤكدًا أن المواطنين يواجهون ضغوطًا اقتصادية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وطالب الحكومة باتخاذ إجراءات أكثر فاعلية للسيطرة على الأسعار، والاستفادة من تراجع أسعار البترول عالميًا لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين.
وأكد في ختام تصريحاته أن منظومة الدعم تمثل إحدى الركائز الأساسية للحماية الاجتماعية، وأن أي إصلاح اقتصادي يجب أن يضع حماية محدودي ومتوسطي الدخل على رأس أولوياته.
أحمد السنجيدي: الدعم النقدي في ظل التضخم تخلي عن حماية الطبقات الكادحة
بدوره، أعرب النائب أحمد السنجيدي، عضو مجلس النواب، عن رفضه لفكرة تحويل الدعم العيني إلى نقدي في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.
وقال إن التحول إلى الدعم النقدي في ظل استمرار التضخم لا يمكن اعتباره إصلاحًا اقتصاديًا، بل يمثل تراجعًا عن دور الدولة في حماية الفئات الأكثر احتياجًا.
وأوضح أن النقود تفقد جزءًا من قيمتها الشرائية بشكل مستمر مع ارتفاع الأسعار، بينما تمثل السلع الأساسية الضمان الحقيقي لاستمرار حصول المواطن على احتياجاته الضرورية.
وأضاف أن التخلي عن الدعم العيني يعني رفع يد الدولة عن دعم البسطاء وتركهم في مواجهة مباشرة مع تقلبات الأسواق وارتفاع الأسعار، مؤكدًا أن الطبقات الكادحة ستكون الأكثر تضررا من هذا التحول.
فريدي البياضي يرفض مناقشة الملف في غياب وزير التموين
شهد اجتماع اللجنة الاقتصادية موقفا لافتا من الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، خلال مناقشة طلب الإحاطة المقدم منه بشأن توجه الحكومة لإلغاء الدعم العيني للسلع التموينية والتحول إلى الدعم النقدي.
اعترض البياضي على عدم حضور وزير التموين والتجارة الداخلية لاجتماع اللجنة، والاكتفاء بحضور عدد من مساعدي الوزير، مؤكدًا أن أهمية الملف وحساسيته تستوجب حضور المسؤول السياسي الأول عن الوزارة.
وقال إن القضية المطروحة تمس حياة نحو 70 مليون مواطن مصري، وهو ما يجعل حضور الوزير أو حتى رئيس مجلس الوزراء أمرًا ضروريًا لمناقشة هذا الملف الحيوي داخل البرلمان.
وشدد على تمسكه بمناقشة طلب الإحاطة بحضور وزير التموين شخصيًا، مؤكدًا أنه لن يناقش الطلب في غياب الوزير.
غياب الوزير لا يحقق رقابة برلمانية حقيقية
وأكد البياضي أن ملف الدعم ليس مجرد ملف فني يمكن التعامل معه عبر ردود إدارية أو بيانات بيروقراطية، بل هو ملف يرتبط بالأمن الغذائي لملايين الأسر المصرية، وبحق المواطنين في الحماية من تداعيات الغلاء والتضخم.
وأشار إلى أن مناقشة قضية بهذا الحجم في غياب الوزير لا تحقق الرقابة البرلمانية الجادة، ولا توفر للرأي العام صورة واضحة عن موقف الحكومة وخططها المستقبلية تجاه منظومة الدعم.
وقد حظي موقف البياضي بتأييد عدد من النواب الحاضرين، الذين أكدوا ضرورة حضور الوزير المختص لمناقشة الملف، قبل أن تنتهي اللجنة إلى إقرار دعوة وزير التموين لحضور اجتماع لاحق لمناقشة طلب الإحاطة بشكل موسع يتناسب مع أهمية القضية وتأثيرها المباشر على ملايين المواطنين.
يكشف الجدل الدائر داخل مجلس النواب حول مستقبل الدعم عن وجود رؤيتين متباينتين؛ الأولى تدعو إلى تطوير منظومة الدعم النقدي من خلال آليات أكثر عدالة وفعالية وربطها بالتمكين الاقتصادي والحوكمة الرشيدة، والثانية تحذر من التخلي عن الدعم العيني في ظل الظروف الاقتصادية الحالية ومعدلات التضخم المرتفعة. وبين هاتين الرؤيتين، يظل ملف الدعم أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على حياة ملايين المواطنين، ما يجعله في صدارة أولويات النقاش السياسي والاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
تطبيق نبض