خبر يكشفوا لـ تحيا مصر دخول التضخم مسارًا نزوليًا
التضخم يتراجع والفائدة بأعتاب الخفض.. كيف أعادت السياسات الاقتصادية التوازن للسوق المصري؟
يشهد الاقتصاد المصري تحولًا ملحوظًا في مسار التضخم بعد فترة طويلة من الضغوط السعرية، مع تسجيل معدلات تراجع قياسية بنهاية عام 2025، ما فتح الباب أمام توقعات واسعة بإعادة رسم خريطة السياسة النقدية خلال عام 2026.
وبينما تؤكد مؤشرات البنك المركزي وتقارير المؤسسات الدولية دخول التضخم مسارًا نزوليًا مستدامًا، يترقب الشارع الاقتصادي قرارات خفض أسعار الفائدة وتأثيرها المباشر على الاستثمار والنمو والأسواق المالية.
وفي هذا السياق، يرصد التقرير آراء خبراء الاقتصاد وأسواق المال حول أسباب تراجع التضخم، وآفاق السياسة النقدية، وانعكاسات المرحلة المقبلة على الدولة والقطاع الخاص والمواطن.

الدولة المصرية تبنت خلال الفترة الحالية والمقبلة حزمة من الإجراءات الهادفة إلى خفض معدلات التضخم
أكد الدكتور محمد عبدالهادي، الخبير الاقتصادي وخبير أسواق المال، لـ تحيا مصر ، أن الدولة المصرية تبنت خلال الفترة الحالية والمقبلة حزمة من الإجراءات الهادفة إلى خفض معدلات التضخم، نجحت بالفعل في تقليصه من نحو 35% إلى 12.3% بنهاية ديسمبر 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.
الحكومة وجهت جهودها كذلك نحو ضبط أسعار السلع
وأوضح عبدالهادي أن أولى هذه الإجراءات تمثلت في تحسين سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، من خلال تعزيز الموارد الدولارية، وهو ما تحقق عبر تحسن إيرادات السياحة، وزيادة حصيلة قناة السويس، وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج إلى نحو 37.5 مليار دولار، مدفوعة بزيادة ثقة العاملين بالخارج في تحسن أوضاع سوق الصرف.
وأشار إلى أن الحكومة وجهت جهودها كذلك نحو ضبط أسعار السلع، خاصة الغذائية، وهو ما أسهم في خفض الأسعار وتراجع معدل التضخم السنوي. كما لعبت زيادة الاستثمارات الأجنبية دورًا مهمًا في هذا المسار، لا سيما مع دخول شركات صينية ويابانية للاستثمار في مناطق شرق السويس، بما دعم الناتج المحلي الإجمالي وزاد الصادرات، وساهم في تقليص فاتورة الاستيراد وانعكاس ذلك على الأسعار المحلية.
مبادرات البنك المركزي المصري لدعم القطاع الصناعي
وأضاف أن مبادرات البنك المركزي المصري لدعم القطاع الصناعي، من خلال إتاحة القروض للمشروعات الصناعية وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كانت من العوامل المؤثرة في تعزيز الإنتاج المحلي. إلى جانب ذلك، أسهمت جهود الدولة في تشديد الرقابة على الأسواق والتجار في الحد من الارتفاعات غير المبررة للأسعار.
وفيما يتعلق بالسياسات النقدية، أشار عبدالهادي إلى أن خفض أسعار الفائدة خلال عام 2023 بنحو 7.25%، وما تبعه من إجراءات، ساعد على تشجيع الاستثمارات وتقليل تكلفة الإنتاج، بما انعكس على استقرار الأسعار وخفض معدلات التضخم.

استمرار تراجع التضخم ليصل إلى نطاق يتراوح بين 8 و10% خلال عام 2026
من جانبه، أكد الدكتور معتز علي الجريتلي، الخبير الاقتصادي، لـ تحيا مصر ، أن التوقعات الصادرة عن المؤسسات الدولية والمحلية وتقارير البنك المركزي المصري تشير إلى استمرار تراجع التضخم ليصل إلى نطاق يتراوح بين 8 و10% خلال عام 2026، مع استهداف طموح من البنك المركزي يتراوح بين 5 و9% بحلول الربع الرابع من العام ذاته.
وأوضح الجريتلي أن البيانات الحالية تؤكد دخول التضخم مساره النزولي بالفعل، مدعومًا باستقرار سوق الصرف، وتراجع الضغوط على أسعار الغذاء، واستقرار الجنيه أمام الدولار في نطاق يتراوح بين 47 و49 جنيهًا. وأضاف أن بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة تجاوزت 20% خلال 2025 أصبح يمثل عبئًا على الدولة والقطاع الخاص، ما يدفع نحو تبني سياسة خفض تدريجي للفائدة خلال 2026، بمتوسط يتراوح بين 400 و700 نقطة أساس، مع الحفاظ على فائدة حقيقية موجبة.
وأشار إلى أن استقرار تدفقات النقد الأجنبي، مدعومًا بصفقات كبرى مثل مشروع رأس الحكمة، واستمرار دعم المؤسسات الدولية، أسهم في توفير السيولة الدولارية واختفاء السوق الموازية.
كما أن الزيادات الكبيرة في أسعار المحروقات والخدمات تم استيعابها خلال عامي 2024 و2025، ما يجعل وتيرة النمو السعري في 2026 أبطأ نسبيًا، بالتوازي مع توجه الحكومة لخفض الإنفاق العام وتقليص عجز الموازنة.
وأكد الجريتلي أن هذه التطورات من شأنها خفض تكلفة الاقتراض على القطاع الخاص، وتشجيع الشركات على التوسع وزيادة التوظيف، إلى جانب تنشيط البورصة المصرية مع انتقال السيولة من الودائع إلى الاستثمار في الأصول، فضلًا عن شعور المواطن بتحسن تدريجي في القوة الشرائية واستقرار أسعار السلع الأساسية.

خفض أسعار الفائدة المتوقع لا يمثل تراجعًا عن سياسة مكافحة التضخم
وفي السياق ذاته، علقت الخبيرة المصرفية الدكتورة شيماء وجيه، لـ تحيا مصر ، بأن تراجع التضخم إلى نطاق 8–10% يمهد لإعادة رسم خريطة السياسة النقدية خلال عام 2026، مشيرة إلى أن هذا التراجع يعكس تفاعلًا متراكمًا بين تشديد السياسة النقدية وضبط الطلب المحلي وتحسن سلاسل الإمداد.
وأوضحت أن خفض أسعار الفائدة المتوقع لا يمثل تراجعًا عن سياسة مكافحة التضخم، بل إعادة معايرة لها، بهدف دعم النشاط الاقتصادي والاستثمار دون المخاطرة بعودة الضغوط السعرية. وأضافت أن هذه المرحلة تمثل اختبارًا دقيقًا أمام السياسة النقدية لتحقيق التوازن بين تشجيع النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.
واختتمت وجيه بأن استمرار هذا المسار الإيجابي يظل مرهونًا بالحفاظ على الانضباط المالي، ومرونة إدارة سعر الصرف، واستقرار الأوضاع العالمية، بما يضمن أن يتحول خفض الفائدة إلى أداة داعمة لنمو اقتصادي أكثر توازنًا واستدامة، وليس عاملًا جديدًا لزيادة الضغوط التضخمية.
تطبيق نبض