عاجل
الإثنين 26 يناير 2026 الموافق 07 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

جهاد سيف يكتب: صدمة دافوس.. نهاية القطبية الأمريكية وخيارات مصر الاستراتيجية

جهاد سيف
جهاد سيف

لم تعد الاستراتيجية الأمريكية حبيسة تبدّل الإدارات أو رهينة شخصية الرئيس الجالس في البيت الأبيض. ما تشهده واشنطن اليوم أعمق من مجرد اختلاف في الأسلوب بين جمهوري وديمقراطي، أو بين رئيس شعبوي وآخر تقليدي. نحن أمام إعادة تموضع كبرى لدور الولايات المتحدة في النظام الدولي، تحوّل بنيوي يعكس إدراكًا متزايدًا داخل مؤسسات الحكم الأمريكية بأن كلفة قيادة العالم باتت أعلى من عوائدها، وأن زمن “الضامن الشامل” يقترب من نهايته.

برز هذا التحول بوضوح خلال عهد دونالد ترامب، لكن الخطأ الشائع هو قراءته بوصفه قطيعة مفاجئة أو نزوة شخصية. في جوهره، يمكن النظر إلى سياسة ترامب الخارجية باعتبارها إعادة إحياء حديثة لروح مبدأ مونرو، لا بنصّه التاريخي، بل بفلسفته العميقة: تقليص الانخراط الخارجي المكلف، التركيز على المجال الحيوي المباشر، ورفض تحمّل أعباء حماية الآخرين دون مقابل واضح.

ترامب عبّر بصراحة فجة عما كانت دوائر صنع القرار تفكر فيه بهدوء منذ سنوات.
مبدأ مونرو، الذي صيغ في القرن التاسع عشر لحصر التنافس الدولي خارج نصف الكرة الغربي، لم يكن انعزالًا مطلقًا، بل محاولة لضبط الكلفة وتعظيم النفوذ في الدائرة الأقرب. وعلى نحو مشابه، تعكس “أمريكا أولًا” رؤية تعتبر أن الولايات المتحدة لن تستمر في إدارة النظام الدولي بالمنطق القيمي الذي ساد بعد الحرب الباردة، بل ستتعامل بمنطق المصلحة المباشرة، وتقليل الالتزامات، وتعظيم العائد. الفارق بين الإدارات المتعاقبة لم يعد في جوهر الرؤية، وإنما في اللغة والأدوات.

أول ملامح هذا التحول يتمثل في انتقال واشنطن من إدارة النظام الدولي إلى إدارة مصالحها المباشرة. الولايات المتحدة باتت أكثر ميلًا لتقليص الالتزامات الخارجية طويلة الأمد التي استنزفتها عسكريًا وماليًا خلال العقدين الماضيين، خصوصًا في الشرق الأوسط. في المقابل، أصبحت الأولوية لإعادة ترتيب الداخل الأمريكي: الاقتصاد، الصناعة، البنية التحتية، والانسجام الاجتماعي. حتى العلاقات مع الحلفاء لم تعد قائمة على افتراضات ثابتة، بل على منطق الشراكة المشروطة المرتبطة بعائد سياسي أو أمني واضح وهذا التوجه كان واضحاً في مشاركة واشنطن الأخيرة بالمنتدي الإقتصادي العالمي دافوس.
هذا التوجه لا يقتصر على إدارة بعينها، بل يحظى اليوم بقبول مؤسسي واسع داخل واشنطن. التنافس الاستراتيجي مع الصين، وتصاعد النزعات القومية داخل الغرب، وتآكل الإجماع الليبرالي القديم، كلها عوامل تجعل العودة إلى نموذج الهيمنة الليبرالية الشاملة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي احتمالًا ضعيفًا. الولايات المتحدة لا تنسحب من العالم، لكنها تعيد تعريف نطاق تدخّلها، وتختار معاركها بدقة أكبر، وتتدخل حين تتقاطع الأزمات مع مصالحها الحيوية.

في هذا السياق، أعادت واشنطن تعريف موقع الشرق الأوسط في سلم أولوياتها. لم تعد المنطقة في صدارة الأجندة الاستراتيجية مقارنة بآسيا والمحيط الهادئ، لكنها لم تفقد أهميتها الوظيفية.

أمن الطاقة، وخطوط الملاحة الدولية، ومنع تمدد قوى منافسة كالصين وروسيا، ما زالت محددات حاضرة في التفكير الأمريكي. غير أن نمط الانخراط تغيّر: إدارة الأزمات عن بُعد، أدوات دبلوماسية وأمنية محدودة الكلفة، والاعتماد المتزايد على قوى إقليمية للقيام بأدوار تنفيذية بدل التورط العسكري المباشر.
وسط هذا التحول، تحتفظ مصر بمكانة معتبرة في الحسابات الأمريكية، وإن كانت تخضع لإعادة تقييم مستمرة.

الجغرافيا المصرية تمنحها وزنًا لا يمكن تجاهله عبر قناة السويس والربط بين البحرين الأحمر والمتوسط. دورها في أمن شرق المتوسط تعزّز مع اكتشافات الغاز وتعقّد التوازنات البحرية. ثقلها السكاني والعسكري يمنحها قدرة على التأثير في معادلات الإقليم، كما أن حضورها في ملفات غزة وليبيا والهجرة غير النظامية يجعلها طرفًا لا يمكن تجاوزه في حسابات الاستقرار.

لكن هذه الأهمية لم تعد تلقائية أو مضمونة. في منطق شبيه بروح مبدأ مونرو المحدَّث، تُقاس الشراكات بمدى الفاعلية لا الرمزية. العلاقة مع واشنطن باتت تُقاس بقدرة مصر على ضبط محيطها الإقليمي، وتقديم مساهمة ملموسة في الاستقرار، وامتلاك مشروع اقتصادي وسياسي واضح. النفوذ لم يعد يُمنح على أساس الوزن التاريخي وحده، بل على أساس القدرة على الإنجاز وتقاسم الأعباء.

تداعيات هذا التحول على الأمن القومي المصري عميقة. لم يعد من الواقعي افتراض تدخل أمريكي تلقائي عند كل أزمة إقليمية، ولا الاعتماد على دعم غير مشروط. الحماية الاستراتيجية طويلة الأمد لم تعد مضمونة في بيئة دولية تتسم بتنافس حاد وتراجع الالتزامات الكبرى. هذا الواقع يفرض تعزيز مفهوم الاعتماد على الذات، مدعومًا بشبكة شراكات متنوعة، بدل الارتهان لمحور واحد.

في المقابل، يفتح تراجع الانخراط الأمريكي المباشر المجال لتحولات إقليمية واسعة. الفراغ النسبي يسمح لقوى إقليمية صاعدة بتوسيع نفوذها، كما قد يقود إلى ترتيبات أمنية جديدة خارج الإطار التقليدي الذي كانت واشنطن تقوده. هنا، تصبح مسؤولية مصر مضاعفة: الحفاظ على موقعها كركيزة توازن تمنع تحول جوارها المباشر إلى مصدر تهديد دائم، وإدارة التفاعلات الإقليمية بقدر أعلى من المبادرة لا رد الفعل.

ورغم التحديات، يتيح هذا التحول فرصًا حقيقية إذا جرى توظيفها بذكاء. تراجع مركزية القطب الواحد يوسع هامش الحركة الاستراتيجية للدول متوسطة القوة. تنويع الشراكات شرقًا وغربًا يعزز القدرة التفاوضية المصرية. الدور الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى مدخل نفوذ سياسي إذا ارتبط بمشروعات إقليمية عابرة للحدود. كما أن إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس المصلحة المتبادلة والندية النسبية تصبح أكثر قابلية للتحقق في بيئة أقل أيديولوجية.

العالم يدخل مرحلة لا تكافئ الانتظار. الدول التي ستحافظ على موقعها هي تلك التي تصنعه بقدراتها وإرادتها. وبالنسبة لمصر، لم يعد السؤال المركزي ماذا ستقدمه الولايات المتحدة، بل كيف توظف القاهرة مواردها الجيوسياسية والاقتصادية والسياسية لتر

تابع موقع تحيا مصر علي