«ترامب يرسم مصير الحكومة العراقية».. ما سر قلق واشنطن من عودة المالكي إلى السلطة؟
هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور له عبر منصة "تروث سوشيال"، العراق في حال تولى نوري المالكي رئاسة الوزراء، إلا أن الأخير لم تحدى هذا الطلب الصادر من البيت الأبيض وأكد أنه سيواصل في ماراثون الإنتخابات مؤكداً على رفضه مثل هذه اللهجة التي تعد انتهاكاً سافراً لسيادة الدولة العراقية.
احتواء النفوذ الإيراني في العراق
يأتي هذا التحذير بعد محاولات أمريكية استمرت لأشهر للحد من النفوذ الإيراني في العراق. وقد تحدث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع السوداني هاتفياً يوم الأحد بهدف "ضمان تمكين العراق من تحقيق كامل إمكاناته كقوة للاستقرار والازدهار والأمن في الشرق الأوسط".

وجاء في بيان وزارة الخارجية الأمريكية بشأن المكالمة: "لا يمكن لحكومة تسيطر عليها إيران أن تضع مصالح العراق في المقام الأول بنجاح" .
ترامب، الذي خاض حملته الانتخابية على أساس شعار "أمريكا أولاً" الانعزالي، كثّف تدخله في شؤون الدول الأخرى. استهلت إدارة ترامب العام بغارة على فنزويلا، أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، وفرضت سيطرة أمريكية على احتياطيات النفط الفنزويلية، وضغطت على القيادة الجديدة للحكم وفقًا لمطالب واشنطن.
كما صعّد ترامب الضغوط الاقتصادية على الحلفاء، مهددًا كندا بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على تعاملاتها التجارية مع الصين، وفرض رسومًا جمركية جديدة على أوروبا قبل أن يتراجع أمام معارضة طموحاته التوسعية في جرينلاند . وفي وقت سابق من هذا الشهر، هدد ترامب أيضًا بالتدخل في إيران دعمًا للمتظاهرين المناهضين للنظام ، وذلك بعد أشهر قليلة من قصفه للمنشآت النووية الإيرانية .
المالكي.. اسم عراقي يؤرق البيت الأبيض
كان المالكي أول رئيس وزراء يتولى منصبه بموجب الدستور العراقي الجديد عام 2006، بصفته زعيماً في حزب الدعوة الإسلامية الشيعي. والعراق بلد ذو أغلبية شيعية. في ذلك الوقت، كان المالكي يحظى بدعم إدارة جورج دبليو بوش.
برز نجمه بعد عقود قضاها في المنفى في إيران وسوريا إثر فراره من حملة صدام حسين على جماعات المعارضة الشيعية في أواخر سبعينيات القرن الماضي. عاد إلى العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003 الذي أطاح بصدام، وعمل كمفاوض رئيسي للتحالف الشيعي في صياغة دستور البلاد، وقدم نفسه على أنه قادر على إعادة النظام إلى بلد مزقته أعمال التمرد.
عندما تولى المالكي السلطة عام 2006، كان العراق يعاني من عنف طائفي بين الفصائل السنية والشيعية، بما في ذلك تفجير الجامع العسكري قبل أشهر من توليه رئاسة الوزراء. وخلال ولايته الأولى من 2006 إلى 2010، نشرت الولايات المتحدة نحو 30 ألف جندي إضافي ضمن ما يعرف بـ"زيادة القوات" بهدف قمع عنف المتمردين وتحقيق الاستقرار في بغداد.
ويرى البعض، بمن فيهم الولايات المتحدة ، المالكي مسؤولية تقويض وعد السياسة الشاملة الذي تحقق بعد عام 2003. ونفذ المالكي سياسات طائفية تحت شعار "اجتثاث البعث"، الذي كان يهدف في الأصل إلى تهميش الموالين لصدام حسين. وقد استبعدت حكومة المالكي بشكل متزايد العرب السنة من الحياة السياسية، بما في ذلك منع تسعة أحزاب وأكثر من 450 مرشحًا من خوض الانتخابات البرلمانية لعام 2010، والإشراف على اعتقال سياسيين سنة بارزين من قبل قوات الأمن، وقمع الاحتجاجات السلمية . كما اتهمه النقاد بترسيخ الفساد ، وإضعاف الخدمات العامة، وتوسيع سيطرته على القضاء وقوات الأمن.
بحلول عام 2014، أدت سنوات من الفساد والسياسة الطائفية إلى إضعاف الجيش، مما ساهم في انهياره السريع عندما سيطر تنظيم داعش، على مساحات واسعة من شمال العراق. وفي نهاية المطاف، تنحى المالكي عن منصبه تحت ضغط شديد من السياسيين العراقيين والولايات المتحدة.
ويبلغ المالكي من العمر 75 عاماً، وقد ظل وسيطاً رئيسياً للسلطة داخل إطار التنسيق، ويقود ائتلاف دولة القانون، وهو تحالف سياسي شيعي، وحافظ على علاقات وثيقة مع الفصائل المدعومة من طهران.
ترامب يرسم ملامح الحكومة العراقية
يعدّ تحذير ترامب يوم الثلاثاء أحدث حلقة في حملة ضغط متواصلة للحدّ من النفوذ الإيراني في العراق، حيث يمثل النفط العراقي ورقة ضغط رئيسية. وقد تم إيداع معظم عائدات صادرات النفط العراقية في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وذلك بموجب ترتيبات وُضعت بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
والاسبوع الماضي، أفادت مصادر لوكالة رويترز أن إدارة ترامب هددت سياسيين عراقيين بارزين بفرض عقوبات على العراق في حال إشراك جماعات مسلحة مدعومة من إيران في الحكومة المقبلة . وفي رسالة موجهة إلى العراق، أكدها مصدر عراقي، قال ممثلو الولايات المتحدة إنه في حين أن اختيار رئيس الوزراء من اختصاص العراق، فإن "الولايات المتحدة ستتخذ قراراتها السيادية بشأن الحكومة المقبلة بما يتماشى مع مصالحها".
المالكي وعلاقته بإيران
وتربط إيران علاقات بالمالكي، وكذلك بمختلف أطياف المشهد السياسي العراقي، بما في ذلك العديد من الأحزاب الشيعية وقادة الميليشيات وكبار المسؤولين. لطالما اعتبرت إيران جارتها شريان حياة اقتصادياً في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة عليها. وعلى مدى سنوات، سعت واشنطن إلى تقييد استخدام إيران للنظام المصرفي العراقي للالتفاف على العقوبات، مع أنها لم تستهدف قط تدفق الأموال من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى العراق.
وكتب النائب الجمهوري جو ويلسون عبر منصة إكس تعليقاً بعد تهديدات ترامب بشأن المالكي قائلاً:"في عهد الرئيس دونالد ترامب، موقف الولايات المتحدة واضح لا لبس فيه أن أي حكومة عراقية ستكون مطالبة بوضع العراق وشعبه في المقام الأول من خلال نزع سلاح جميع الميليشيات المرتبطة بإيران وتفكيكها بالكامل في غضون 12 شهرًا، وإخراج جميع المستشارين والعملاء والوكلاء الإيرانيين من البلا".
وأضاف: "لن يتم التسامح مع النفوذ الإيراني في العراق بعد الآن. لقد ولّى عهد فرض رؤساء الوزراء على العراق من قبل جهات خارجية".
ويشار إلى أن احتمال عودة المالكي إلى السلطة تداعيات إقليمية بالغة الأهمية. فمع تراجع نفوذ إيران عقب انتكاسات كبيرة في سوريا وضعف حزب الله، بات العراق الحليف الاستراتيجي الأهم لطهران. ومن المرجح أن تبقي ولاية ثالثة للمالكي بغداد على تحالف وثيق مع إيران، ما يحدّ من استقلالية العراق في سياسته الخارجية.
كما قد يؤدي موقفه أيضاً إلى تعقيد العلاقات مع القيادة السورية الجديدة. فقد عارض علناً أي تواصل مع دمشق.
بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل عودة المالكي تحديات جديدة. فقد عينت واشنطن مؤخراً مبعوثاً خاصاً إلى العراق، في إشارة إلى جهود متجددة للحد من النفوذ الإيراني، وهو برنامج من غير المرجح أن يدعمه المالكي. كما يخشى كثير من العراقيين أن عودة المالكي تعكس مشكلة أعمق وهو نظام سياسي عاجز عن تجديد نفسه. ويحذر البعض من أن أسلوب قيادته قد يعزز الفساد والتعبئة الطائفية وشبكات السلطة الخفية.
ولطالما طالبت الاحتجاجات التي يقودها الشباب على مر السنين بالمساءلة والإصلاحات الجذرية. وبدون تغيير حقيقي، يخشى الكثيرون أن يكرر العراق نفس الدورات التي أدت إلى الأزمات في الماضي.
تطبيق نبض

