الاستعمار الرقمي.. بيانات الحمض النووي للشعوب في قبضة شركات التكنولوجيا الكبرى
لم يعد الحمض النووي للشعوب مجرد شفرة وراثية مخبأة داخل الخلايا بل تحول في العصر الراهن إلى مادة خام تشبه النفط في قيمتها الاقتصادية والسياسية حيث تتسابق شركات التكنولوجيا الكبرى والمختبرات العالمية للسيطرة عليه تحت شعارات براقة تخدم التقدم الطبي.
تبدأ القصة في قرى نائية في أفريقيا وجبال الأنديز في أمريكا اللاتينية حيث تصل بعثات طبية مدعومة بتمويلات ضخمة لجمع عينات لعاب ودم من السكان الأصليين بدعوى البحث عن علاجات للأمراض النادرة أو فهم الخريطة الجينية البشرية.
لكن خلف هذه النوايا الإنسانية تكمن شبكة معقدة من المصالح التجارية التي تجعل من الحمض النووي للشعوب وسيلة لتحقيق أرباح مليارية عبر تسجيل براءات اختراع على جينات محددة مما يكرس شكلاً جديداً من أشكال الاستعمار يسمى الاستعمار الرقمي والبيولوجي.
وتؤكد تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن هناك فجوة هائلة في حماية البيانات الجينية للدول النامية حيث تفتقر هذه الدول للتشريعات الصارمة التي تمنع خروج هذه البيانات واستغلالها تجارياً دون موافقة واعية أو تعويض عادل للمجتمعات التي قدمت هذه المادة الوراثية.
فخ الأبحاث الطبية والواقع المرير
يشير التحقيق في ممارسات شركات مثل "23andMe" و"Ancestry" إلى أن البيانات التي يتم جمعها لأغراض ترفيهية أو بحثية تباع بصفقات ضخمة لعمالقة الأدوية مثل شركة "GSK" البريطانية التي وقعت صفقة بمليارات الدولارات للوصول إلى قاعدة بيانات وراثية ضخمة.
إن الحمض النووي للشعوب في دول العالم الثالث يتم استهدافه بشكل خاص بسبب "النقاء الجيني" في بعض المجتمعات المنعزلة التي لم تتعرض لتهجين واسع مما يسهل على الباحثين تحديد الجينات المسؤولة عن أمراض معينة أو تلك التي تمنح مناعة طبيعية ضد فيروسات فتاكة.
ووفقاً لتقرير استقصائي نشرته صحيفة "الجارديان" البريطانية فإن العديد من هذه الشركات تقوم بجمع العينات من دول أفريقية دون توضيح أن النتائج النهائية لهذه الأبحاث ستتحول إلى أدوية محمية بحقوق الملكية الفكرية.
هذا التوجه يخلق مفارقة أخلاقية كبرى حيث يتم استخدام الشفرة الوراثية للفقراء لتطوير علاجات جينية قد تصل تكلفة الجرعة الواحدة منها إلى ملايين الدولارات كما هو الحال في بعض علاجات السرطان الحديثة مما يجعلها بعيدة تماماً عن متناول الأشخاص الذين وفروا المادة الأساسية لتطويرها.
سلعنة الحياة والسيادة الوطنية المخترقة
تعتبر قضية الحمض النووي للشعوب تحدياً كبيراً للسيادة الوطنية إذ أن البيانات الجينية لا تخص الفرد وحده بل تمتد لتشمل عائلته وقبيلته ومجتمعه بالكامل مما يجعل تسريبها أو بيعها اختراقاً للأمن القومي الحيوي.
وبحسب دراسة منشورة في مجلة "Nature" العلمية فإن أكثر من ثمانين بالمئة من البيانات الجينية المستخدمة في الأبحاث العالمية تعود لأشخاص من أصول أوروبية لكن الشركات تسعى الآن وبشراسة لتنويع قواعد بياناتها عبر استقطاب المادة الوراثية من آسيا وأفريقيا لملء الثغرات البحثية.
هذا الاندفاع نحو الجنوب العالمي لا يصاحبه استثمار في البنية التحتية الطبية لتلك الدول بل يقتصر على "استخراج" البيانات تماماً كما كانت القوى الاستعمارية تستخرج المعادن والموارد الطبيعية في القرون الماضية.
ويرى خبراء في الأخلاقيات الحيوية أن ما يحدث هو "قرصنة بيولوجية" مقننة حيث يتم التلاعب بمصطلحات الموافقة المستنيرة التي يوقع عليها المتبرعون الذين غالباً ما يجهلون القيمة التجارية الهائلة لما يقدمونه مقابل فحوصات طبية بسيطة أو وعود وهمية بالرعاية الصحية المستدامة.
احتكار المعرفة وتعميق الفوارق العالمية
إن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في تحليل الحمض النووي للشعوب منح شركات التكنولوجيا الكبرى مثل جوجل ومايكروسوفت دوراً محورياً في القطاع الصحي عبر أذرعها المتخصصة في العلوم الحيوية مما يعني أن مفاتيح الصحة العامة في المستقبل ستكون بيد حفنة من المديرين التنفيذيين في سيليكون فالي.
ووفقاً لمنظمة "جينووتش" البريطانية فإن هذا الاحتكار يؤدي إلى توجيه الأبحاث الطبية نحو الأمراض التي تصيب المجتمعات الغنية القادرة على دفع ثمن العلاج بينما يتم إهمال الأمراض المدارية أو الأوبئة التي تفتك بسكان الدول النامية رغم أن بياناتهم كانت هي المحرك الرئيسي لتلك الابتكارات.
ويحذر مراقبون من أن البيانات الجينية قد تستخدم في المستقبل لأغراض تمييزية سواء من قبل شركات التأمين التي قد ترفض تغطية أفراد لديهم استعداد وراثي لأمراض معينة أو حتى في تطوير أسلحة بيولوجية عرقية تستهدف سمات وراثية محددة منتشرة في مناطق جغرافية معينة مما يجعل من حماية هذه البيانات ضرورة أمنية قصوى تتجاوز حدود الخصوصية الفردية.
معركة داخل المختبرات وخوادم البيانات السحابية
في ختام هذا التقصي يبرز سؤال ملح حول كيفية حماية الحمض النووي للشعوب من هذه الأطماع التجارية وضمان أن تعود فوائد الأبحاث الجينية على البشرية جمعاء بشكل عادل ومتساوٍ.
تشير تقارير الاتحاد الأفريقي إلى محاولات جادة لصياغة قوانين تمنع نقل العينات البيولوجية خارج القارة دون اتفاقيات تقاسم منافع واضحة تضمن للدول المصدرة الحصول على الأدوية المطورة بأسعار مدعومة أو المشاركة في أرباح براءات الاختراع.
إن المعركة القادمة لن تكون على الأرض أو الحدود بل ستكون داخل المختبرات وفي خوادم البيانات السحابية حيث يتم تخزين أدق تفاصيل وجودنا البشري. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لفرض رقابة صارمة على كيفية جمع وتخزين وتجارة البيانات الوراثية فإننا سنواجه عصراً تكون فيه أجسادنا ملكاً لشركات عابرة للقارات وحيث يصبح الحق في الصحة امتيازاً لمن يملك ثمن الشفرة التي سرقت منه في الأساس تحت غطاء العلم والبحث الطبي.
تطبيق نبض
