«اغتيال يربك المشهد الليبي».. من قتل سيف الإسلام القذافي؟
يمثل اغتيال سيف الإسلام القذافي نهاية مأساوية لحياة رجل أصبح يجسد تناقضات ليبيا الحديثة بين إصلاحي تلقى تعليمه في الغرب ووعد بالتغيير التدريجي، إلى هارب متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأخيراً شخصية سياسية مثيرة للجدل كانت تحاول العودة إلى المشهد السياسي الليبي عبر بوابة الانتخابات الرئاسية وسط صراع أهلي طويل الأمد.
روايات متعددة حول اغتيال سيف القذافي والنهاية واحدة!
وسيف الإسلام القذافي، هو الابن الثاني للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، ولا تزال تفاصيل مقتله محل تساؤلات. فبحسب بيان صادر عن فريقه السياسي وأكده محاميه خالد الزايدي، فقد اغتيل في هجوم وُصف بأنه "جبان وغدر" استهدف منزله في بلدة الزنتان الجبلية غرب طرابلس، على بُعد حوالي 136 كيلومترًا جنوب غرب المدينة. وذكر مساعدوه أن وحدة كوماندوز مؤلفة من أربعة أفراد اقتحمت المنزل، وعطلت كاميرات المراقبة، وقتلته خلال اشتباك قصير.

وردت رواية متضاربة من شقيقته، التي صرّحت للتلفزيون الليبي بأن سيف الإسلام قُتل قرب الحدود الليبية الجزائرية. ورغم هذه التناقضات، أكّد مستشاره السياسي، عبد الله عثمان، ومسؤولون أمنيون ليبيون نبأ وفاته. بينما دعا الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة في طرابلس إلى إجراء تحقيق عاجل ومستقل في مقتله.
من هو سيف الإسلام القذافي؟
ولد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وكان أبرز أبناء معمر القذافي وأكثرهم نشاطًا سياسيًا، رغم أنه لم يشغل أي منصب عام. ومع ذلك، ولعقد من الزمان بدءًا من عام 2000، عُرف بأنه ثاني أقوى شخصية في ليبيا. وخلال هذه الفترة، سعى إلى ترسيخ صورة المصلح والمجدد، مقدمًا نفسه كوجه مقبول للنظام أمام العالم الخارجي.
تلقى سيف الإسلام تعليمه في كلية لندن للاقتصاد، حيث حصل على درجة الدكتوراه عام 2008، وكان يجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة، ودافع علنًا عن المجتمع المدني والإصلاح الدستوري وحقوق الإنسان. ولعب دورًا محوريًا في تقارب ليبيا مع الغرب، حيث قاد المفاوضات التي أسفرت عن تخلي والده عن برنامج ليبيا النووي. كما كان له دور أساسي في حل نزاع التعويضات عن تفجير لوكربي، وفي تأمين إطلاق سراح الأطباء البلغاريين المتهمين بنقل فيروس نقص المناعة البشرية إلى أطفال ليبيين.
ومع انتشار الاحتجاجات في ليبيا 2011، برز سيف الإسلام كأحد أشد المدافعين عن والده. وفي خطاب متلفز شهير، حذر من أن "أنهارًا من الدماء" ستتدفق إذا استمرت الانتفاضة، وتعهد بأن النظام سيقاتل حتى "آخر رصاصة"، ووصف المتظاهرين بـ"الجرذان". مثّل هذا الخطاب قطيعة نهائية بينه وبين الخطاب الإصلاحي، وضمّه بشكل كامل إلى رد النظام العنيف.
رحلة فرار سيف القذافي إلى النيجر
بعد الإطاحة بمعمر القذافي ومقتله في أكتوبر 2011، حاول سيف الإسلام الفرار إلى النيجر متنكراً بزيّ أحد رجال القبائل البدوية. وقد أُلقي القبض عليه في الصحراء على يد لواء أبو بكر الصديق، وهي ميليشيا من الزنتان، واحتُجز هناك لمدة ست سنوات تقريباً.
خلال فترة أسره، واجه ملاحقات قضائية في الداخل والخارج. أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية تتعلق بقمع انتفاضة 2011. وفي ليبيا، حكمت عليه محكمة في طرابلس بالإعدام غيابياً عام 2015. إلا أن تفكك الدولة الليبية كان في صالحه، إذ رفضت ميليشيا الزنتان تسليمه إلى سلطات طرابلس، وفي عام 2017، أطلق سراحه بموجب قانون عفو أقره البرلمان في طبرق، الذي يقع مقره في شرق البلاد.
بقي سيف الإسلام مختبئًا في الزنتان لأسباب أمنية، لكن طموحاته السياسية ظلت قائمة. صرح لصحيفة نيويورك تايمز عام 2021 بأنه يخطط لاختبار الرأي العام تدريجيًا وإعادة بناء مسيرته السياسية. بعد أشهر قليلة من المقابلة، أعلن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية، الأمر الذي أثار قلقًا وغضبًا لدى الجماعات المناهضة للقذافي في البلاد. وفي نهاية المطاف، أُلغيت الانتخابات.
بينما يجادل بعض المحللين بأن وفاة سيف تزيل عقبة رئيسية أمام الانتخابات المقبلة، يحذر آخرون من أنها قد تحوله إلى شهيد بالنسبة للموالين للنظام السابق، مما يزيد من تعقيد الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في بلد لا يزال يعاني من إرث حكم والده.
تطبيق نبض

