دبلوماسية المسدس على الطاولة.. محادثات مسقط بين وعيد ويتكوف وعناد عراقجي
حول محادثات مسقط بالعاصمة العمانية صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اليوم الأحد 8 فبراير 2026، بأنها ركزت بشكل حصري على الملف النووي، مشدداً على أن طهران لن تقبل بأي حال من الأحوال بـ "تصفير تخصيب اليورانيوم". ووصف عراقجي جولة المفاوضات الأخيرة بأنها كانت "بداية موفقة" وجرت في أجواء اتسمت بالجدية، مع الإشارة إلى أن استمرار الحوار مشروط بمدى جدية الطرف الآخر والابتعاد عن لغة التهديد.
وأضاف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن محادثات مسقط اختبار حقيقي لإرادة الشعب الإيراني في الحفاظ على منجزاته العلمية والتقنية.
وشدد عراقجي على أن بلاده لن تقبل أبداً بمطلب واشنطن الرامي إلى "تصفير تخصيب اليورانيوم"، واصفاً هذا المطلب بأنه يتجاوز الخطوط الحمراء التي رُسمت بدماء العلماء النوويين الإيرانيين. وأوضح الوزير أن البرنامج النووي الإيراني هو برنامج سلمي بامتياز، وأن الحق في امتلاك تكنولوجيا التخصيب هو حق غير قابل للتصرف، مشيراً إلى أن المفاوضات مع الجانب الأمريكي، رغم كونها غير مباشرة، اتسمت بوضوح المواقف الإيرانية تجاه أي محاولة للمساس بالسيادة الوطنية.
ولفت عراقجي إلى أن الأجواء كانت إيجابية إلى حد ما، لكنه حذر من أن التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، المتمثلة في وجود حاملات الطائرات، تثير شكوكاً عميقة حول نوايا واشنطن الحقيقية وتناقض دعواتها للسلام. إن هذه التصريحات تضع العالم أمام مشهد معقد، حيث تتشابك الرغبة في تجنب الحرب مع التمسك بأوراق القوة التي تراها طهران ضرورية لضمان بقائها كلاعب إقليمي مؤثر في منطقة تموج بالاضطرابات والتحولات الجيوسياسية الكبرى.
ثوابت طهران النووية ومواجهة استراتيجية التصفير الأمريكية
في قلب العاصمة العمانية، انطلقت محادثات مسقط وسط ترقب دولي حذر، حيث قاد عباس عراقجي وفداً يحمل تفويضاً واضحاً بعدم التنازل عن دورة الوقود النووي الكاملة. تصر إيران على أن تجارب الماضي مع الاتفاق النووي لعام 2015 قد علمتها أن الوعود الغربية قد تتبخر بقرار سياسي واحد، ولذلك فإن التمسك بالتخصيب بنسب معينة هو الضمانة الوحيدة لعدم تعرض البلاد لابتزاز مستقبلي. وفي المقابل، دخل الوفد الأمريكي برئاسة ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب للشرق الأوسط، ومعه جاريد كوشنر، حاملين رؤية مختلفة تماماً تقوم على مبدأ "التفكيك مقابل الاستقرار".
تريد إدارة ترامب في نسختها لعام 2026 أن تنهي الطموح النووي الإيراني بشكل جذري، عبر فرض قيود تجعل من الصعب على طهران العودة لمستويات تخصيب مرتفعة (60%) كما كانت قبل الحرب الأخيرة مع إسرائيل.
هذه الفجوة الهائلة بين "الحق الإيراني" و"المطلب الأمريكي" جعلت من الغرف المغلقة في مسقط ساحة لشد وجذب دبلوماسي عنيف، حيث يسعى الوسطاء العمانيون لتقريب وجهات النظر عبر صياغات قانونية مرنة قد تسمح لإيران بالاحتفاظ بالتكنولوجيا مع قبول رقابة دولية مشددة وغير مسبوقة، وهو أمر لا يزال يواجه برفض من المتشددين في كلا المعسكرين.
دبلوماسية الظل وحقيقة اللقاءات المباشرة بين عراقجي وكوشنر
أثارت التقارير التي تحدثت عن حدوث لقاء مباشر بين عراقجي والوفد الأمريكي في كواليس محادثات مسقط عاصفة من التساؤلات حول تحول في تكتيكات التفاوض الإيرانية. وبينما نفى عراقجي حدوث أي مفاوضات رسمية مباشرة، مكتفياً بالقول إنه "ألقى التحية" فقط، فإن المصادر الغربية تؤكد أن حضور جاريد كوشنر أضفى صبغة "الصفقة التجارية السياسية" على الجولة. كوشنر، المعروف بأسلوبه في تجاوز البيروقراطية الدبلوماسية للوصول إلى تفاهمات كبرى، يبدو أنه يحاول صياغة "اتفاق إبراهيمي نووي" يضمن أمن إسرائيل مقابل حوافز اقتصادية ضخمة لإيران.
هذا النوع من دبلوماسية الظل يهدف إلى كسر الجمود الذي ميز السنوات الماضية، حيث ترى واشنطن أن المفاوضات غير المباشرة استنفدت أغراضها ولم تعد تكفي لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة. إن الانتقال من الرسائل المكتوبة عبر الوسيط العماني إلى المصافحات البروتوكولية قد يكون الخطوة الأولى نحو اعتراف متبادل بالواقع الجديد، وهو واقع يفرض على طهران التعامل مع إدارة أمريكية لا تؤمن بأنصاف الحلول، وتستخدم الضغط الاقتصادي كأداة رئيسة لتشكيل المواقف السياسية.
الضغط العسكري والحشد الأمريكي خلف شعار السلام من خلال القوة
لا يمكن قراءة محادثات مسقط بمعزل عن المشهد العسكري المهيب الذي ترسمه الولايات المتحدة في مياه الخليج وبحر العرب. زيارة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لحاملة الطائرات "يو أس أس أبراهام لينكولن" تزامناً مع انتهاء جولة المفاوضات لم تكن مجرد نزهة بحرية، بل كانت رسالة مشفرة لطهران بأن طاولة المفاوضات محمية بأسطول بحري جبار. هذه الاستراتيجية التي يطلق عليها ترامب "السلام من خلال القوة" تهدف إلى إفهام القيادة الإيرانية أن بديل الاتفاق العادل هو الدمار الشامل للمنشآت الحيوية.
عراقجي من جانبه لم يقف صامتاً، بل أعاد تذكير العالم بأن القواعد الأمريكية في المنطقة تقع ضمن مرمى الصواريخ الإيرانية، وأن بلاده مستعدة لتحويل أي هجوم أمريكي إلى حرب إقليمية واسعة النطاق. هذا التوازن المرعب في الردع يلقي بظلاله على كل كلمة تنطق في مسقط، حيث يدرك الجميع أن الخطأ في الحسابات قد يؤدي إلى كارثة لا تحمد عقباها. إن الحشد العسكري يعمل كمحفز للمفاوضات من جهة، لكنه في الوقت ذاته يزرع بذور الشك وعدم اليقين، مما يجعل من بناء الثقة بين الطرفين مهمة شبه مستحيلة في ظل وجود البوارج الحربية على مقربة من سواحل التفاوض.
المطالب الإسرائيلية وإقحام الصواريخ الباليستية في أجندة عمان
تعد إسرائيل الغائب الحاضر الأقوى في محادثات مسقط، حيث يمارس بنيامين نتنياهو ضغوطاً هائلة على إدارة ترامب لضمان عدم خروج إيران من هذه المفاوضات بمكاسب استراتيجية. تطالب تل أبيب بضرورة إدراج برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني والدعم المالي للفصائل المسلحة (محور المقاومة) كبنود أساسية في أي اتفاق مستقبلي.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن تحجيم القدرة النووية دون نزع مخالب إيران الصاروخية هو مجرد تأجيل للمواجهة وليس حلاً لها. وقد أبدى نتنياهو بوضوح نيته مناقشة هذه التفاصيل مع ترامب في واشنطن، مؤكداً أن إسرائيل لن تلتزم بأي اتفاق لا يوفر لها الأمن المطلق. رد الفعل الإيراني كان حاسماً برفض مناقشة المنظومات الدفاعية، معتبراً أن الصواريخ هي الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الضربات الجوية التي تعرضت لها البلاد في يونيو الماضي. هذا التصادم في الأجندات يضع الوسيط العماني في موقف لا يحسد عليه، حيث يتوجب عليه الموازنة بين مطالب أمنية إسرائيلية مدعومة أمريكياً، وبين مطالب سيادية إيرانية ترى في سلاحها الصاروخي درعاً أخيراً يحمي وجود الدولة ونظامها السياسي من السقوط أو التفكك.
مستقبل الاتفاق الشامل وتأثير العقوبات النفطية على مسار التفاوض
بينما كانت الوفود تلملم أوراقها في عمان، كانت وزارة الخارجية الأمريكية تعلن عن حزمة عقوبات جديدة استهدفت قطاع النفط الإيراني، وشملت ناقلات وكيانات في عدة دول. هذا التزامن يوضح أن واشنطن تتبع سياسة "المسارين": التفاوض في الغرف المغلقة والتضييق في الميدان الاقتصادي. تهدف هذه العقوبات إلى تجفيف الموارد المالية التي قد تستخدمها طهران لتعزيز قدراتها العسكرية أو دعم حلفائها، وهي تضع المفاوض الإيراني تحت ضغط شعبي واقتصادي هائل. عراقجي أشار إلى أن الطريق لا يزال طويلاً لبناء الثقة، وأن أي اتفاق يجب أن يتضمن رفعاً شاملاً وحقيقياً للعقوبات لضمان حياة كريمة للشعب الإيراني. ومع اقتراب موعد الجولة الثانية من محادثات مسقط مطلع الأسبوع المقبل، يظل الرهان قائماً على مدى مرونة الأطراف في تقديم تنازلات متبادلة. فهل ستنجح إيران في المقايضة بين نسب التخصيب ورفع العقوبات النفطية؟ أم أن إدارة ترامب ستظل متمسكة بمطالبها القصوى التي قد تؤدي في النهاية إلى انهيار المسار الدبلوماسي والعودة إلى لغة الرصاص والبارود التي سادت في منتصف عام 2025؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت مسقط ستكون مهد السلام الجديد أم أنها كانت مجرد محطة انتظار قبل العاصفة الكبرى.
- محادثات مسقط
- عباس عراقجي
- دونالد ترامب
- تخصيب اليورانيوم
- النووي الايراني
- ستيف ويتكوف
- جاريد كوشنر
- سلطنة عمان
- العقوبات الأمريكية
- بنيامين نتنياهو
- الصواريخ الباليستية
- أمن الخليج
- السيادة الإيرانية
- الضغوط القصوى
- الملف النووي
- المفاوضات غير المباشرة
- حاملة الطائرات لينكولن
- السلام من خلال القوة
- حظر التخصيب
- المنشآت النووية
- الاقتصاد الإيراني
- النفوذ الإقليمي
- الوساطة العمانية
- محور المقاومة
- الأمن القومى
- العلاقات الدولية
- الدبلوماسية الأمريكية
- تصفير التخصيب
- الشرق الأوسط
- مستقبل الاتفاق
تطبيق نبض
