عاجل
الأحد 15 فبراير 2026 الموافق 27 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

سم ضفدع السهم.. جبهة أوروبية تتهم موسكو باغتيال نافالني.. ما سر التوقيت؟

تحيا مصر

في تصعيد هو الأخطر منذ وفاة المعارض الروسي الأبرز أليكسي نافالني، أعلنت جبهة أوروبية خماسية تضم المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والسويد وهولندا، عن نتائج تحقيقات مخبرية "صادمة" تؤكد تعرض نافالني للاغتيال باستخدام سم عصبي فتاك يُستخلص من "ضفادع السهام" الإكوادورية، وهو ما وصفته هذه الدول بـ "العمل البربري" الذي لا يمكن أن تنفذه سوى أجهزة الدولة الروسية.

وجاء هذا الإعلان الاستثنائي من قلب مؤتمر ميونيخ للأمن، السبت، ليعيد رسم مشهد الصراع المعلوماتي والسياسي بين الكرملين والغرب، متجاوزاً الرواية الرسمية الروسية التي أرجعت الوفاة لأسباب طبيعية.

سلاح كيميائي بـ "هوية بيولوجية"

كشفت التحليلات العلمية التي أجرتها مختبرات دولية مستقلة، بمشاركة حاسمة من علماء بريطانيين في منشأة "بورتون داون"، عن وجود مادة "الإيبيباتيدين" في عينات بيولوجية تعود لنافالني. 

وهذه المادة هي سم عصبي شديد القوة يوجد طبيعياً في جلد ضفادع السهام السامة في أمريكا الجنوبية، لكن التقديرات الاستخباراتية تشير إلى أن السم المستخدم صُنّع مخبرياً ليكون سلاحاً كيميائياً فتاكاً، حسبما أفادت شبكة "سكاي نيوز" البريطانية.

وتكمن خطورة "الإيبيباتيدين" في كونه أقوى من المورفين بنحو 200 ضعف، وهو قادر على إحداث شلل عضلي كامل وفشل تنفسي سريع يتبعه توقف للقلب في غضون 10 إلى 20 دقيقة فقط من دخوله مجرى الدم أو ابتلاعه. 

وبحسب الدكتور إريك فرانسن، خبير علم السموم السريري في هولندا، فإن جاذبية هذا السم بالنسبة لأجهزة الاستخبارات تكمن في صعوبة اكتشافه عبر فحوصات السموم الروتينية في المستشفيات، مما يجعله وسيلة مثالية "لتمويه عمليات التصفية الجسدية".

توقيت متعمّد وهجوم معلوماتي

لم يكن اختيار زمان ومكان الإعلان عشوائياً؛ فقد ظهرت يوليا نافالنايا، أرملة المعارض الراحل، محاطة بوزراء خارجية القوى الأوروبية الكبرى في ميونيخ، وهو ذات المكان الذي تلقّت فيه خبر وفاة زوجها في 16 فبراير 2024. 

ووصفت كوبر، وزيرة الخارجية البريطانية، المشهد بأنه "تسليط للضوء على محاولة الكرملين لإسكات صوت نافالني"، مؤكدة أن روسيا وحدها كانت تملك "الوسائل والدافع والفرصة" لتنفيذ العملية داخل نظامها السجني المشدد.

ويرى مراقبون أن هذا الإعلان يمثل شكلاً من أشكال "الهجوم المعلوماتي" المضاد؛ حيث يهدف الغرب إلى منع الجناة من "الاختباء في الظل" وضمان مواجهتهم لعواقب دولية قانونية وعقوبات اقتصادية جديدة. 

وقالت نافالنايا بلهجة مؤثرة: "لقد صعدتُ إلى المسرح سابقاً وقلتُ إن زوجي تعرض للتسمم كحدس، لكنني الآن أملك الدليل العلمي القاطع".

من "نوفيتشوك" إلى "ضفدع السهم" 

يعيد هذا التطور الذاكرة إلى حوادث سابقة اتُهمت فيها موسكو باستخدام مواد غير تقليدية لتصفية خصومها، بدءاً من نظائر البلوتونيوم المشع وصولاً إلى غاز الأعصاب "نوفيتشوك" الذي نجا منه نافالني نفسه في عام 2020.

وتتطابق النتائج المخبرية الأخيرة مع الصور التي سربتها مؤسسة نافالني لزنزانته في مستعمرة "الذئب القطبي" المتجمدة، حيث ظهرت آثار قيء واضحة، وهو عرَض جانبي كلاسيكي للتسمم بـ "الإيبيباتيدين". 

ومستعمرة "الذئب القطبي"، المعروفة رسمياً بـ "IK-3"، تعد واحدة من أقصى السجون وأكثرها رعباً في النظام العقابي الروسي. تقع هذه المنشأة في بلدة "خارب" بمنطقة يامالو-نينيتس ذات الحكم الذاتي، وراء الدائرة القطبية الشمالية، وهي المنطقة التي شهدت الأيام الأخيرة من حياة نافالني.

ورغم أن نافالني بدا بصحة جيدة في ظهور قضائي قبل وفاته بيوم واحد فقط، إلا أن السلطات الروسية أصرت على أن الوفاة نتجت عن "أمراض مجتمعة" وارتفاع ضغط الدم، وهي الرواية التي باتت الآن في مواجهة مباشرة مع التقارير العلمية الغربية.

رد الفعل الروسي الغاضب

من جانبها، سارعت موسكو إلى شن هجوم مضاد عبر قنواتها الدبلوماسية؛ حيث وصفت السفارة الروسية في لندن الإعلان بـ "العرض السيركي السخيف" و "البروباغندا الجنائزية" التي تهدف لتأجيج المشاعر المعادية لروسيا. 

واعتبرت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن هذه الادعاءات هي "محاولة لصرف الانتباه عن أزمات الغرب الداخلية".

ومع ذلك، يرى حلفاء الناتو أن هذه الكلمات تعكس عزما متزايداً للوقوف في وجه ما يصفونه بـ "عمليات المنطقة الرمادية" التي ينتهجها الرئيس فلاديمير بوتين، والتي تشمل الاغتيالات السياسية، والتخريب، والهجمات السيبرانية، والمعلومات المضللة، وكل ذلك تحت عتبة الحرب التقليدية الشاملة.

الخطوة التالية

تعتزم الدول الخمس (المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، السويد، هولندا) تقديم نتائجها المخبرية رسمياً إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وأوضحت وزيرة خارجية السويد، ماريا مالمر ستينرغارد، أن هذا الإجراء ضروري لمحاسبة روسيا دولياً وزيادة الضغط الدبلوماسي عليها، مشددة على أن "الحقيقة هي السلاح الأقوى في وجه الأكاذيب المستمرة".

 

تابع موقع تحيا مصر علي