بالأرقام والوقائع.. كيف حرك رضا بهلوي 250 ألف متظاهر في ميونيخ لهز أركان طهران؟
عاد رضا بهلوي ليتصدر واجهة الأحداث الإيرانية المتسارعة، معلناً استعداده لتحمل مسؤولية تاريخية في لحظة مفصلية تمر بها بلاده، حيث تتشابك خيوط المشهد السياسي المعقد بين حشود غفيرة في ألمانيا تهتف بسقوط النظام الحالي، وتصريحات أميركية نارية تدعم خطوات التغيير الجذري، بالتوازي مع مسار دبلوماسي شائك تحاول طهران من خلاله كسر طوق العقوبات الخانقة عبر بوابة المفاوضات النووية المرتقبة.
رؤية جديدة للمرحلة الانتقالية
وقف رضا بهلوي أمام تجمع بشري ضخم في مدينة ميونيخ الألمانية، مستعرضاً رؤيته لمستقبل بلاده في ظل الاضطرابات المستمرة، حيث أكد بصوت واثق أمام المناصرين أنه موجود لضمان الانتقال السلس نحو مستقبل ديمقراطي وعلماني، مشدداً على ضرورة تجاوز الحقبة الحالية التي تعصف بها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير الجذري.
تعهد نجل الشاه المخلوع أمام الحشود التي رفعت أعلام الحقبة الملكية بأن يكون القائد الفعلي للمرحلة الانتقالية، واضعاً هدفاً رئيساً يتمثل في الوصول بالبلاد يوماً ما إلى لحظة تقرير المصير، وذلك من خلال مسار ديمقراطي يتسم بالشفافية الكاملة ويحتكم في نهايته إلى صناديق الاقتراع، ليكون الشعب هو صاحب الكلمة الفصل في اختيار شكل ونظام الحكم الذي يرتضيه لنفسه بعد عقود من الحكم الديني.
جاءت كلمات رضا بهلوي لتعكس رغبة واضحة في توحيد صفوف المعارضة وتوجيه الغضب الشعبي نحو مسار سياسي محدد، حيث خاطب الجماهير المحتشدة بلغة تجمع بين الحنين إلى الماضي والأمل في المستقبل، في وقت تشهد فيه إيران احتجاجات غير مسبوقة وضعت النظام السياسي أمام تحديات وجودية حقيقية، ما جعل من طروحاته تجد صدى واسعاً لدى قطاعات مختلفة من الإيرانيين في الداخل والخارج.
لم يكتفِ رضا بهلوي بتوجيه الرسائل السياسية العامة، بل وجه نداءً مباشراً إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مطالباً إياه بتقديم الدعم الفعلي للشعب الإيراني، مشيراً إلى أن الإيرانيين سمعوا تصريحات الرئيس الأميركي حول المساعدة القادمة وهم يثقون بوعوده، معتبراً أن الوقت قد حان للتخلص من الجمهورية الإسلامية وفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة.
حراك الشارع والدعم الدولي
قدرت الشرطة الألمانية أعداد المشاركين في تظاهرة ميونيخ بأكثر من مائتي ألف شخص، احتشدوا في ساحات المدينة تزامناً مع مؤتمر الأمن العالمي، ليرسلوا رسالة قوية إلى المجتمع الدولي حول رغبتهم في التغيير، وقد رفع المشاركون أعلاماً تحمل شعار الأسد والشمس المميز للعهد الملكي، بينما لوح آخرون بأعلام ألمانيا وإسرائيل تعبيراً عن تحالفاتهم ورؤيتهم للسياسة الخارجية.
هتفت الحشود بشعارات تمجد العهد الملكي وتنادي بحياة الشاه، في مشهد يعكس حالة من النستالجيا السياسية والرفض القاطع للواقع الحالي، وقد عبر أحد المتظاهرين ويدعى سعيد عن قناعته التامة بأن النظام الحالي في طهران قد انتهى فعلياً وأنه بات في حكم الميت سريرياً، مؤكداً أن اللعبة قد انتهت وأن التغيير قادم لا محالة مهما حاولت السلطات تأخيره بالقمع.
تزامنت هذه التحركات في ألمانيا مع تظاهرات مماثلة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث خرج الآلاف في مسيرات جابت شوارع لوس أنجليس ووصلت إلى ناشيونال مول في العاصمة واشنطن، كما ردد المتظاهرون في مدينة تورنتو الكندية شعارات تطالب الرئيس ترمب بالتحرك الفوري، ما يظهر حجم التنسيق والتناغم بين أطياف المعارضة في المهجر والداخل الإيراني.
تأتي هذه التحركات الشعبية استجابة لدعوات رضا البهلوي الذي حض الإيرانيين في الداخل والخارج على مواصلة الاحتجاج بشتى الطرق، داعياً المواطنين داخل المدن الإيرانية إلى ترديد الشعارات المناهضة للسلطة من نوافذ منازلهم وفوق الأسطح خلال ساعات الليل، في تكتيك يهدف إلى إبقاء جذوة الاحتجاج مشتعلة وتشتيت جهود القوات الأمنية التي تواجه صعوبة في السيطرة على الوضع.
ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب بثقله خلف هذه التحركات، معتبراً أن تغيير نظام الحكم في طهران يمثل السيناريو الأفضل للمنطقة والعالم، وقد جاءت تصريحاته متزامنة مع أوامر بنشر حاملة طائرات ثانية في مياه الشرق الأوسط، في خطوة تصعيدية تهدف إلى زيادة الضغوط العسكرية والنفسية على القيادة الإيرانية ودعم الحراك الشعبي المتصاعد.
الدبلوماسية في مواجهة الأزمات
على الجانب الآخر من المشهد، لا تزال المسارات الدبلوماسية تحاول شق طريقها وسط حقول الألغام السياسية، حيث تواصل واشنطن انخراطها الدبلوماسي الحذر مع طهران، وقد أعلنت السلطات السويسرية التي تلعب دور الوسيط التقليدي أن جولة جديدة من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة ستعقد في جنيف خلال الأسبوع المقبل، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
أكدت المصادر الدبلوماسية أن الجولة المرتقبة ستكون بضيافة سلطنة عُمان التي طالما لعبت دور الإطفائي في أزمات المنطقة، حيث تسعى الأطراف المتحاورة إلى إيجاد صيغة توافقية، وقد أبدى نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي في تصريحات صحفية استعداد بلاده لتقديم تنازلات معينة للتوصل إلى اتفاق نووي جديد، شريطة أن تبدي واشنطن جدية في رفع العقوبات.
تشير التقارير إلى وجود تباين واضح في أولويات الطرفين، فبينما تتمسك طهران بحصر المفاوضات في الملف النووي ورفع العقوبات الاقتصادية، يصر المسؤولون الأميركيون والغربيون على ضرورة توسيع دائرة الاتفاق ليشمل البرنامج الصاروخي الباليستي والدور الإقليمي لإيران، بما في ذلك دعمها للمجموعات المسلحة في المنطقة وموقفها العدائي تجاه إسرائيل.
عقدت جولة أولى من هذه المفاوضات الشاقة في مسقط في السادس من فبراير، وسط تكتم إعلامي شديد وحراك دبلوماسي مكثف خلف الكواليس، حيث تحاول الدبلوماسية الغربية الموازنة بين دعم مطالب المتظاهرين في الشوارع وبين ضرورة تحييد الخطر النووي الإيراني، وهي معادلة دقيقة تزداد تعقيداً مع تصاعد وتيرة القمع الداخلي وسقوط الضحايا.
أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية السويسرية استعداد بلاده الدائم لتسهيل الحوار بين الخصمين اللدودين، مشيراً إلى أن قنوات الاتصال لا تزال مفتوحة رغم التصعيد اللفظي والعسكري، مما يعكس رغبة الأطراف الدولية في الحفاظ على شعرة معاوية الدبلوماسية حتى في أحلك الظروف وأكثرها توتراً، تجنباً لسيناريوهات كارثية قد تجر المنطقة بأسرها إلى الحرب.
فاتورة القمع والدم
شهدت الاحتجاجات التي اندلعت شرارتها في أواخر ديسمبر الماضي موجة قمع عنيفة من قبل السلطات، أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا وتحويل المدن الإيرانية إلى ساحات مواجهة مفتوحة، وقد أقرت المصادر الرسمية بمقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، زاعمة أن غالبيتهم من قوات الأمن والمارة، ومحملة المسؤولية لما وصفتهم بمثيري الشغب المدعومين من الخارج.
في المقابل، تقدم المنظمات الحقوقية رواية مغايرة تماماً وتتحدث عن أرقام أكثر رعباً، حيث وثقت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) مقتل أكثر من سبعة آلاف شخص، مؤكدة أن الغالبية العظمى منهم هم من المتظاهرين العزل الذين واجهوا الرصاص الحي، وتشير التقديرات إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر بكثير نظراً لصعوبة التوثيق في ظل التعتيم الإعلامي.
لم يقتصر القمع على القتل في الشوارع، بل امتد ليشمل حملات اعتقال واسعة طالت عشرات الآلاف، حيث تشير التقارير الحقوقية إلى اعتقال أكثر من ثلاثة وخمسين ألف مواطن على خلفية الاحتجاجات، مما حول السجون ومراكز الاحتجاز إلى نقاط اكتظاظ تشهد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتفتقر لأدنى المعايير القانونية والصحية.
وسط هذه الأجواء القاتمة، تبرز قصص المعتقلين السياسيين كشاهد على قسوة الممارسات الأمنية، فقد تم نقل الناشطة البارزة نرجس محمدي الحائزة على جائزة نوبل للسلام من معتقلها في مدينة مشهد إلى سجن في زنجان دون سابق إنذار، في خطوة تهدف إلى عزل الرموز الحقوقية عن محيطهم وزيادة الضغط النفسي عليهم وعلى عائلاتهم.
وفي محاولة لامتصاص الغضب أو ربما للمناورة السياسية، أطلقت السلطات سراح بعض الشخصيات الإصلاحية، مثل محسن أمين زادة نائب وزير الخارجية السابق، الذي خرج بكفالة مالية ضخمة بعد فترة قصيرة من الاعتقال، وجاء ذلك عقب الإفراج عن آذر منصوري، في إشارات متناقضة تعكس ارتباك النظام في التعامل مع ملف المعتقلين السياسيين.
أصوات من قلب العاصفة
تظل أصوات الشارع هي المحرك الرئيس للأحداث، حيث يرى المتظاهرون في رضا البهلوي وغيره من رموز المعارضة أملاً للخلاص من واقعهم المرير، وقد عبرت الهتافات التي صدحت في ميونيخ وواشنطن وطهران عن قطيعة تامة مع شرعية النظام القائم، مطالبة بنظام بديل يحترم الحريات ويعيد لإيران مكانتها الطبيعية بين الأمم بعيداً عن سياسات العداء والعزلة.
تأتي زيارة رضا البهلوي لإسرائيل في عام 2023 كإحدى النقاط التي تثير الجدل في أوساط المعارضة، حيث يرى فيها البعض خطوة جريئة لكسر المحرمات وبناء تحالفات جديدة، بينما ينتقدها آخرون باعتبارها قد تضر بوحدة الصف المعارض، إلا أن الزخم الحالي في الشارع يبدو أنه يتجاوز هذه الخلافات لصالح الهدف الأكبر المتمثل في إسقاط النظام.
يواجه المتظاهرون آلة قمع عسكرية وأمنية ضخمة، لكنهم يستمدون عزيمتهم من الدعم الدولي المتزايد وتفكك السردية الرسمية للنظام، حيث بات واضحاً أن حاجز الخوف قد انكسر وأن العودة إلى ما قبل ديسمبر باتت مستحيلة، مما يضع البلاد أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين التغيير السلمي المتدرج أو الانهيار الفوضوي الشامل.
تتجه الأنظار الآن إلى جنيف حيث طاولة المفاوضات، وإلى طهران حيث ساحات الاحتجاج، في سباق محموم بين الدبلوماسية والثورة، وبينما يسعى النظام لشراء الوقت وتخفيف الضغط عبر المناورات السياسية، يصر الشارع ورموزه في الخارج على أن الوقت قد نفد وأن مرحلة جديدة قد بدأت بالفعل، مرحلة عنوانها العريض هو التغيير ولا شيء سواه.
يبقى المستقبل مفتوحاً على كل الاحتمالات، فبين وعود رضا البهلوي بقيادة الانتقال الديمقراطي، وتهديدات ترمب بتغيير النظام، ومناورات طهران الدبلوماسية، يقف الشعب الإيراني في المنتصف دافعاً ثمن صراعات النفوذ والسلطة من دمه وحريته، آملاً في أن يرى النور في نهاية هذا النفق الطويل والمظلم الذي استمر لعقود طويلة.
من هو رضا بهلوي؟
هو الابن الأكبر لشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي الذي أطاحته الثورة الإسلامية عام 1979. يقيم في الولايات المتحدة ولم يزر إيران منذ عقود. يعتبر من أبرز وجوه المعارضة في الخارج، ويدعو لنظام ديمقراطي علماني، لكنه يواجه انتقادات بسبب زيارته لإسرائيل وعدم تنصله الصريح من ممارسات نظام والده الاستبدادية.
تطبيق نبض
