مؤتمر ميونخ والنظام الدولي الجديد
يقف العالم اليوم عند مفترق تاريخي لم تتضح بعد قواعده أو مستقبل توازناته ، إذ لم تقتصر المناقشات في مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام على معالجة الأزمات الآنية أو النزاعات الإقليمية، بل امتدت لإعادة النظر في نسق العلاقات الدولية الذي تشكل بعد عام 1945، حيث أبرز المستشار الألماني Friedrich Merz إدراك أوروبا العميق بأن العالم يشهد تحوّلاً بنيوياً جوهرياً، تتراجع فيه قواعد النظام متعدد الأطراف الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ليحل محله واقع دولي أكثر سيولة وتنافسية، تحركه اعتبارات القوة والمصالح. وأكد أن النظام الدولي القائم على القواعد والمؤسسات لم يعد قائماً كما عرفه العالم طوال العقود الماضية، وأن البشرية دخلت مرحلة تتسم بعودة سياسات القوة والتنافس بين القوى الكبرى، في إشارة إلى التحول من عصر التعاون متعدد الأطراف إلى عصر التنافس الاستراتيجي المكثف.
وفي هذا السياق، أكّد وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio أن العالم دخل «حقبة جيوسياسية جديدة»، وأن النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد قائماً، داعياً إلى إعادة تقييم الأدوار والتحالفات بما يتلاءم مع التحولات الجارية، ورغم تأكيده استمرار الروابط التاريخية بين شطري الأطلنطي ، فقد أوضح أن واشنطن تسعى إلى شراكة متجددة، ولكن بشروط تتوافق مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة، مع التركيز على السيادة الوطنية وتقاسم الأعباء الدفاعية.
ويأتي هذا التحول في ظل صعود متسارع لثقل الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية كبرى، وهو صعود أعاد تشكيل معادلات القوة العالمية وفرض تحديات استراتيجية على الغرب ، إذ بات العالم يشهد تنافساً متصاعداً بين الولايات المتحدة والصين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والسيطرة على الممرات البحرية والأسواق الاستراتيجية. ولم يعد هذا التنافس مجرد منافسة اقتصادية، بل أصبح صراعاً شاملاً على النفوذ ووضع القواعد التي ستحكم الاقتصاد العالمي والنظام التكنولوجي في العقود القادمة.
وتكشف هذه الطروحات عن تزايد الإدراك بأن النظام الدولي لم يعد قائماً على التفوق الأحادي أو التوافق التقليدي، بل يتجه نحو تعددية قطبية مضطربة. ويبرز في هذا السياق التزايد المطّرد في ثقل الصين، التي باتت تمثل قطباً موازياً للولايات المتحدة، وتسهم في تشكيل بيئة تنافسية حادة بين القوتين. وقد حذّر Merz من أن بكين تستغل اعتماد الآخرين عليها لتعزيز نفوذها، في مؤشر إلى طبيعة المنافسة الاستراتيجية المتصاعدة.
وفي مقابل هذا الاستقطاب المتنامي بين هاتين القوتين، تبدو أوروبا وكأنها تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير الحاسم في مسار التوازنات الدولية، فالقارة التي كانت يوماً مركز الثقل في النظام الدولي تجد نفسها اليوم مثقلة بأزمات داخلية متراكمة، تشمل تباطؤ النمو الاقتصادي، وأزمات الطاقة، والتحديات الديموجرافية، والانقسامات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي كما أسهم تصاعد التيارات اليمينية والشعبوية في عدد من الدول الأوروبية في تعميق هذه الانقسامات، وإضعاف القدرة على بلورة سياسات خارجية ودفاعية موحدة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى قدرة أوروبا على الاضطلاع بدور فاعل في النظام العالمي الجديد.
وفي هذا السياق، لم تعد العلاقة عبر الأطلنطي تُفهم بوصفها محور النظام الدولي كما كان الحال خلال العقود الماضية، بل باتت جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً تتطلب إعادة تعريف الأدوار وتوزيع المسؤوليات، وبينما تسعى أوروبا إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وتقليل اعتمادها الأمني على واشنطن، فإن هذا التوجه يصطدم بواقع الانقسامات الداخلية والقيود الاقتصادية، مما يجعل التحول نحو دور أوروبي أكثر استقلالاً عملية بطيئة ومحفوفة بالتحديات.
ومن الواضح أن الحديث المتزايد عن انهيار النظام الدولي الذي تبلورت قواعده في أعقاب الحرب العالمية الثانية لا يعكس فقط تحولات في ميزان القوى، بل يعكس أيضاً غياب تصور واضح للنظام البديل. فقد كشفت المناقشات التي دارت في ميونخ عن قدر كبير من التشخيص الدقيق للأزمة، مقابل غموض ملحوظ بشأن ملامح النظام الدولي الذي يمكن أن يحكم العالم مستقبلاً، فبينما يتجه العالم نحو تعددية قطبية تنافسية، لم تتبلور بعد قواعد مستقرة لإدارة هذا التعدد، كما لم تتحدد آليات فعالة لضبط التنافس بين القوى الكبرى ومنع انزلاقه إلى صدامات مفتوحة.
وهكذا، يبدو العالم وكأنه يقف عند عتبة مرحلة تاريخية جديدة: نظام قديم تتآكل ركائزه، ونظام جديد لم تتضح معالمه بعد. وبين صعود قوى كبرى جديدة، وتراجع نسبي لمراكز ثقل تقليدية، وتزايد التنافس على النفوذ والتكنولوجيا والموارد، حيث تتشكل ملامح حقبة دولية تتسم بقدر أكبر من عدم اليقين والسيولة الاستراتيجية. وفي ظل هذا المشهد، يصبح التحدي الأساسي أمام المجتمع الدولي ليس فقط إدارة التحول، بل صياغة قواعد جديدة تضمن الاستقرار وتمنع تحوّل التنافس إلى صراع، في عالم تتغير موازين قوته بوتيرة أسرع من قدرة مؤسساته على التكيّف معها، ويكمن الاختبار الحقيقي في قدرة الدول الكبرى والفاعلين الدوليين على بناء آليات تحكم التنافس وتحمي العالم من الانزلاق نحو فوضى استراتيجية طويلة الأمد.
السفير عمرو حلمي
تطبيق نبض