شريف الاسواني يكتب: حين يتكلم القلب.. يبدأ رمضان
قبل أن يهلّ الفجر، وقبل أن تُضاء الفوانيس في الشرفات، وقبل أن تمتلئ الشوارع بعطر الخبز الساخن ونداء المسحراتي، يكون شيءٌ خفي قد بدأ بالفعل اليوم أجواء رمضان
شيء يشبه الارتعاشة الأولى في القلب، يشبه شوق الأرض لأول قطرة مطر. إنه رمضان. ليس شهرًا يمرّ بين الشهور، بل حالةٌ تُولد في الروح، وميلادٌ جديدٌ للإنسان كل عام. رمضان ليس زمنًا يُقاس بالأيام، بل مذاقٌ يُتذوَّق في الصبر، ويُشمّ في الدعاء، ويُرى في دمعةٍ خاشعة عند السجود.
رمضان هو المدرسة الكبرى لبناء النفس. فيه يتخفف الإنسان من أعبائه، يضع عن قلبه أثقال الذنوب، ويعيد ترتيب أولوياته، فيدرك أن الروح إذا لم تُسقَ بالطاعة ذبلت، وأن القلب إذا لم يُروَ بالإيمان قسا.فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريب عميق على الانتصار على الشهوة، وعلى أن يكون الإنسان سيدًا لرغباته لا عبدًا لها. إنه إعلانٌ يومي بأن الروح أقوى من الجسد، وأن الإرادة حين تتصل بالله لا تُهزم.
في رمضان تتبدّل الملامح. ترى الوجوه أكثر صفاءً، والكلمات أكثر لطفًا، والأيدي أكثر سخاءً. يتسابق الناس إلى الخير، إلى الصدقة، إلى تفطير الصائمين، إلى صلة الأرحام. كأن الشهر يهمس في آذانهم: “عودوا أنقياء كما خُلقتم”.
وفي لياليه، الجميلة حين يسكن الضجيج وتعلو أصوات التلاوة، نستحضر أعظم حدثٍ في تاريخ البشرية: نزول القرآن. في ليلةٍ مباركة من لياليه تنزّل النور، فصار رمضان شهر القرآن، شهر الهداية، شهر الكلمة التي غيّرت وجه التاريخ.
ومن هنا كان قيام الليل ليس عادة، بل لقاءً حميمًا بين العبد وربه، يتخفف فيه من الدنيا كلها، ويقف بين يدي خالقه مجرداً من كل شيء إلا من رجائه ورائحة الجنة في طاعته
ورمضان في مصر له طعمٌ آخر. طعم الفانوس المضيء في يد طفلٍ يضحك، وطعم الخيمة الرمضانية التي تجمع العائلات على مائدة السحور، وطعم الشوارع التي تسهر حتى الفجر
في أمانٍ وألفة. والمسحراتي، ذلك الصوت الذي كان يوقظ البيوت قبل أن توقظها المنبّهات الحديثة، لم يكن مجرد موقظٍ للنائمين، بل كان رمزًا للدفء الشعبي، وصورةً من صور الحميمية التي تميز الشهر الكريم. وحتى إن تغيّرت الوسائل، يبقى المعنى حاضرًا: أن نستيقظ… لا من النوم فقط، بل من الغفلة أيضًا.
ورمضان ليس شهر خمولٍ أو تراجع، كما يتوهّم البعض، بل هو شهر العزيمة والانتصار. شهدت أيامه محطاتٍ فاصلة في تاريخ الأمة، حين امتزج الصيام بالقوة، والإيمان بالفعل، فكان النصر ثمرةً طبيعية لعقيدةٍ حيّةٍ وقلوبٍ صابرة. وكأن رمضان يذكّرنا كل عام أن الصبر طريق الغلبة، وأن النقاء الداخلي يصنع القوة الخارجية.
إنه شهر الكرم؛ تتسع فيه القلوب قبل الموائد، وتلين الطباع قبل الأجساد. شهر تتعلم فيه النفس أن العطاء لا يُنقص، وأن الصفح لا يُضعف، وأن الصبر لا يُضيّع.
هو ثورة هادئة تبدأ من الداخل، تُعيد تشكيل الإنسان من جديد، فتزرع فيه التقوى، وتنبت في قلبه المحبة، وتعلّمه أن الحياة بلا معنى روحي ليست حياة.
فإذا قيل “رمضان كريم”، فليست مجرد تحيةٍ عابرة، بل اعترافٌ بأن الكرم فيه يتنزّل من السماء، وأن الخير يتكاثر، وأن القلوب تُفتح كما تُفتح أبواب الجنة.
كل عام وأنتم إلى الله أقرب، وعلى الخير أقدر، وبنور رمضان أبهى....
رمضان كريم.
تطبيق نبض