عاجل
الثلاثاء 24 فبراير 2026 الموافق 07 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

من إسكوبار إلى إل مينتشو.. القصة الكاملة لملوك الكوكايين الذين تحدوا العالم

إل مينتشو
إل مينتشو

​أعلنت السلطات المكسيكية رسمياً مقتل نيميسيو أوسيغويرا سيرفانتس الملقب بـ إل مينتشو لتطوي بذلك صفحة واحد من أكثر الرجال رعباً في تاريخ المكسيك المعاصر. ولم يمر خبر رحيله بهدوء بل فجر موجة عارمة من الغضب والعنف اجتاحت البلاد من مطار غوادالاخارا إلى الطرق السريعة المشتعلة. لقد كان إل مينتشو يمثل القوة الضاربة التي تحدت الدولة لسنوات طويلة قبل أن تسدل المواجهات الأخيرة الستار على أسطورته الدموية.

​زلزال أمني في المكسيك

​إن مقتل إل مينتشو ليس مجرد عملية أمنية ناجحة بل هو زلزال هز أركان المنظمات الإجرامية التي اعتادت السيطرة على مسارات التهريب الدولية. وتسببت وفاته في استنفار عسكري غير مسبوق حيث نشرت الحكومة آلاف الجنود في محاولة يائسة لاحتواء الفوضى التي أعقبت غياب الزعيم. ويعكس هذا المشهد المتفجر حجم النفوذ الذي كان يتمتع به إل مينتشو وقدرته على تحريك جيوش من الأنصار والموالين له.

​تعيدنا قصة مقتل إل مينتشو إلى الذاكرة الجماعية لحروب الكوكايين التي بدأت مع الكولومبي الشهير بابلو إسكوبار الذي قتل في تسعينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين شهدت القارة صراعاً مريراً بين السلطات وبارونات المخدرات الذين تحولوا إلى أيقونات شعبية في بعض المناطق رغم وحشيتهم. وظل هؤلاء الزعماء يطاردون لسنوات في الغابات والمدن مما جعل صراعهم مع الأجهزة الأمنية مادة دسمة للإعلام العالمي.

​لم تقتصر جرائم هؤلاء الأباطرة على تجارة الممنوعات بل امتدت لتشمل تصفية المنافسين واستهداف رجال الأمن والمدنيين الأبرياء في حروب شوارع طاحنة. ودفعت دول أمريكا اللاتينية ثمناً باهظاً من أرواح أبنائها نتيجة النزاعات المستمرة بين الكارتلات المتنافسة التي تسعى للسيطرة على طرق التوزيع. ويمثل مقتل إل مينتشو حلقة جديدة في مسلسل طويل من العنف الذي لا يبدو أنه سينتهي بمجرد غياب الرأس المدبر.

​ألهمت حياة هؤلاء المطلوبين منتجي السينما والوثائقيات العالمية التي جذبت ملايين المشاهدين التواقين لمعرفة كواليس عالم الجريمة المنظمة السري. فمن أفلام مثل "Blow" إلى سلاسل "Narcos" تم توثيق صعود وسقوط الملوك الذين سيطروا على الاقتصاد الخفي في القارة. وتظل هذه الأعمال الفنية شاهدة على حقبة تاريخية معقدة امتزج فيها المال بالدم والنفوذ السياسي بالفساد المستشري في مفاصل الدول.

​تعتبر أمريكا اللاتينية المركز النابض لإنتاج الكوكايين حيث تتركز زراعة النبتة في جبال بوليفيا وكولومبيا والبيرو قبل أن تشق طريقها نحو الأسواق. وتلعب المكسيك دور الجسر الاستراتيجي والحيوي الذي تمر عبره هذه الشحنات الضخمة باتجاه الولايات المتحدة حسب تقارير الأمم المتحدة. وفي هذا السياق المعقد برز اسم نيميسيو أوسيغويرا كلاعب أساسي في تنظيم عمليات النقل والتهريب عبر الحدود المحصنة والأنفاق السرية.

​إرث إسكوبار الدموي

​يتساءل الكثيرون اليوم عما إذا كان رحيل الزعيم الأخير سيعني نهاية ظاهرة أباطرة المخدرات خاصة بعد سقوط "إل تشابو" و"إل مايو" زامبادا. فالتاريخ يثبت أن الكارتلات غالباً ما تعيد تنظيم صفوفها وتولد من رحمها قيادات جديدة أكثر شراسة وتطوراً في أساليبها. وقد يكون غياب الرأس الكبير مجرد فرصة لإعادة توزيع حصص السوق بين الفصائل المتناحرة التي تنتظر لحظة الضعف للانقضاض.

​بالعودة إلى الجذور نجد أن بابلو إسكوبار هو المعلم الأول الذي وضع قواعد هذه اللعبة الخطرة في منتصف سبعينيات القرن العشرين بكولومبيا. وأسس إسكوبار كارتل "ميديين" الشهير الذي سيطر على تجارة الكوكايين العالمية وحول صاحبه إلى واحد من أغنى وأقوى رجال العالم. وبنى إسكوبار إمبراطوريته على أنقاض الدولة مستخدماً المال السياسي لترهيب الخصوم وشراء الولاءات في أعلى المستويات الحكومية.

​رغم نشاطه الإجرامي الدموي نجح إسكوبار في تقمص دور "روبن هود" من خلال بناء البيوت وتوزيع الأموال على الفقراء في أحيائه. وكان يرى في نفسه مخلصاً للمهمشين بينما كانت طائراته وقنابله تحصد أرواح المسؤولين ورجال الشرطة والمدنيين في عمليات إرهابية مرعبة. وظل إسكوبار المطلوب الأول للولايات المتحدة التي طاردته لعقد من الزمان قبل أن تنجح السلطات الكولومبية في تصفيته.

​خلف إسكوبار وراءه إرثاً من العنف بدأ بسجنه الأول عام 1974 وانتهى بمواجهة درامية فوق أسطح المنازل في حي "ميديين" المتواضع. وكان قد سلم نفسه سابقاً بشروط مرفهة سمحت له بإدارة أعماله من داخل سجنه الخاص الذي عرف باسم "الكاتدرائية". وعندما قررت الدولة استعادة هيبتها هرب إسكوبار لتبدأ رحلة المطاردة النهائية التي انتهت برصاصات القناصة بعد يوم من ميلاده.

​إمبراطورية الأنفاق والسموم

​في المكسيك برز اسم خواكين غوزمان الملقب بـ "إل تشابو" كخليفة غير رسمي لمجد إسكوبار الإجرامي في ولاية سينالوا الشمالية. وبدأ "إل تشابو" مسيرته كعنصر شاب في كارتل غوادالاخارا تحت إمرة العرّاب ميغيل غاياردو قبل أن يستقل بمنظمته الخاصة. وطور أساليب مذهلة في التهريب شملت حفر أنفاق عابرة للحدود واستخدام عبوات غذائية لإخفاء المخدرات بعيداً عن أعين الرقابة.

​وصفت وزارة العدل الأمريكية منظمة "إل تشابو" بأنها الأكثر عنفاً ونفوذاً في التاريخ الحديث حيث سيطرت على نصف تجارة المخدرات بالمكسيك. وحقق غوزمان أرباحاً خيالية جعلته يقتحم قائمة فوربس لأثرياء العالم وهو ما عكس حجم التحدي الذي واجهته القوى الأمنية. واستخدم "إل تشابو" جيوشاً من القتلة المأجورين لتنفيذ عمليات تعذيب وتصفيات جسدية ضد كل من تجرأ على الوقوف في طريقه.

​تمكن "إل تشابو" من الهروب من السجون المكسيكية شديدة الحراسة مرتين بطرق هوليوودية أحرجت السلطات المحلية وأظهرت مدى تغلغل الفساد. ولكن رحلته انتهت بالقبض عليه وتسليمه للولايات المتحدة ليواجه حكماً بالسجن مدى الحياة في سجن "إي دي إكس" شديد التحصين. ومع ذلك لم يتوقف العنف في المكسيك بل زادت حدته مع صعود فصائل جديدة طالبت بحصتها من الكعكة.

​العرّاب وابتكار التهريب

​يعتبر ميغيل أنخيل فيليكس غاياردو المعروف بـ "العرّاب" هو المهندس الحقيقي الذي نقل تجارة المخدرات في المكسيك من العشوائية إلى التنظيم المؤسسي. وأسس غاياردو كارتل غوادالاخارا في الثمانينيات وركز على تحويل المكسيك إلى ممر إلزامي للكوكايين القادم من كولومبيا نحو الشمال. وبفضل خلفيته كشرطي سابق استطاع توظيف علاقاته الأمنية لحماية شحناته وتوسيع نفوذه ليشمل القارة الأوروبية بأكملها.

​رغم ميله لتجنب العنف الصارخ إلا أن غاياردو تورط في مقتل عميل أمريكي اخترق صفوف كبار قادة الكارتل في ذلك الوقت. وأدى هذا الحادث إلى استنفار المخابرات الأمريكية التي لم تهدأ حتى أودعته السجن عام 1989 ليمضي بقية حياته خلف القضبان. وانقسمت إمبراطوريته بعد اعتقاله إلى فصائل صغيرة متناحرة مما مهد الطريق لظهور زعماء جدد أكثر دموية وتوحشاً.

​سيد السماوات والرحلة الأخيرة

​في التسعينيات برز أمادو كاريلو فوينتس الملقب بـ "سيد السماوات" كواحد من أكثر المهربين ذكاءً وقدرة على استخدام التكنولوجيا الجوية. واستغل أمادو خبرته في الطيران لإنشاء أسطول ضخم من الطائرات لنقل أطنان الكوكايين من كولومبيا مباشرة إلى قلب المدن الأمريكية. وسيطر على كارتل "خواريز" بيد من حديد وحرص دائماً على التخفي والابتعاد عن عدسات الكاميرات لضمان استمرارية نشاطه.

​انتهت حياة "سيد السماوات" بشكل مأساوي عام 1997 داخل غرفة عمليات جراحية أثناء محاولته تغيير ملامح وجهه للهروب من الملاحقة. وأدت وفاته المفاجئة إلى موجة من الشائعات والغموض خاصة بعد العثور على جثث الجراحين الذين أجروا له العملية وعليها آثار تعذيب. واستمرت عائلته في قيادة الكارتل لسنوات قبل أن تنجح السلطات في تفكيك خلاياه الأساسية واعتقال شقيقه لاحقاً.

​عرّابة الكوكايين ونهاية الغدر

​لم يكن عالم المخدرات حكراً على الرجال بل شهد صعود غريزيلدا بلانكو المعروفة بـ "العرّابة" التي أرعبت مدينة ميامي في السبعينيات. وبدأت بلانكو مسيرته بتهريب كميات صغيرة من الكوكايين داخل ملابس النساء لتجنب الشبهات قبل أن تبني إمبراطورية بمليارات الدولارات. واتسمت طريقتها في العمل بالقسوة المفرطة حيث كانت تبتكر أساليب جديدة للاغتيال باستخدام دراجات نارية سريعة في الشوارع المزدحمة.

​واجهت بلانكو تهم قتيل عديدة وقضت سنوات في السجون الأمريكية قبل ترحيلها إلى كولومبيا حيث ظنت أنها ستعيش بسلام بعيداً عن ماضيها. ولكن القدر كان ينتظرها أمام أحد المتاجر في ميديين حيث قتلت بنفس الطريقة التي ابتكرتها وهي إطلاق النار من دراجة نارية. وتظل قصتها مثالاً نادراً على وصول امرأة إلى قمة هرم السلطة في عالم تحكمه العصابات الذكورية المتطرفة.

​مستقبل الكارتلات والنزاع الدولي

​بينما تنشغل المكسيك بملاحقة بقايا كارتل الزعيم الراحل يراقب المحللون السياسيون بقلق بوادر توتر دولي قد يعيد رسم خارطة القوى. فهناك تحذيرات من حرب أمريكية إيرانية مرتقبة قد تؤثر على مسارات التجارة العالمية والأمن القومي في القارة الأمريكية برمتها. ويرى البعض أن انشغال القوى الكبرى بصراعات جيوسياسية قد يمنح الكارتلات فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها بعيداً عن الرقابة الأمنية المشددة.

​إن التداخل بين عصابات المخدرات والمصالح السياسية الدولية يجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل المنطقة في ظل التهديدات العسكرية المتصاعدة بالشرق الأوسط. وإذا اندلعت الحرب بين واشنطن وطهران فقد تتراجع الأولوية الممنوحة لمكافحة المخدرات في القارة اللاتينية مما يفتح الباب لظهور بدلاء جدد. وسيبقى شبح الجريمة يطارد المنطقة طالما استمر الطلب العالمي على الممنوعات وطالما ظلت الحدود مسرحاً للصراعات الكبرى.

​في الختام يبقى مقتل الزعماء نقطة تحول كبرى لكنها لا تعني بالضرورة نهاية الحرب المستعرة على تجارة الموت والدم. فالواقع الجغرافي والسياسي لأمريكا اللاتينية يجعل من هذه الأرض منجماً للثروات غير المشروعة وملاذاً للهاربين من وجه العدالة الدولية. وستظل حكاية الأباطرة والبارونات قصة مستمرة تتغير فيها الوجوه وتبقى الأسلحة والآلام هي العنوان الأبرز لمستقبل مجهول ينتظر القارة.

 

تابع موقع تحيا مصر علي