عاجل
الأربعاء 25 مارس 2026 الموافق 06 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

لعبة «عض الأصابع».. من يتراجع أولاً في صراع الإرادات بين ترمب و طهران؟

الحرب الأمريكية الإيرانية
الحرب الأمريكية الإيرانية

​تشهد أروقة السياسة الدولية سباقاً محموماً مع الزمن لتفكيك فتيل الأزمة المتصاعدة، حيث أكدت مصادر رسمية أن طهران متمسكة بأن قرار إنهاء الحرب سيظل شأناً سيادياً داخلياً يخضع لشروطها الوطنية البحتة. وترفض القيادة الإيرانية الانصياع للجداول الزمنية التي يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرضها عبر تصريحاته، معتبرة أن أي مسار تفاوضي يجب أن ينطلق من اعتراف كامل بحقوقها الاستراتيجية بعيداً عن سياسة الإملاءات المسبقة أو الضغوط العسكرية.

​حسب تقرير لرويترز ووكالات أنباء عالمية، برزت باكستان كلاعب محوري وقناة اتصال رئيسية في هذه الساعات الحرجة، حيث نقل مسؤول إيراني رفيع أن إسلام آباد سلمت طهران بالفعل مقترحاً أمريكياً متكاملاً. وتشير المعطيات إلى أن الجانب الباكستاني، مدعوماً بجهود تركية، يسعى لتوفير بيئة آمنة لاستضافة محادثات خفض التصعيد، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة التي تهدف لتجاوز حالة الانسداد الراهنة في العلاقات.

​ويبدو أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد وضع ثقل بلاده السياسي خلف هذه المبادرة، معلناً استعداد إسلام آباد لتسهيل محادثات حاسمة وشاملة تنهي الصراع الدائر في المنطقة وتضمن استقرارها. وقد التقط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هذه الإشارة بوضوح، حيث قام بإعادة نشر دعوة شريف عبر منصة تروث سوشيال، مما يعزز التكهنات بأن واشنطن تعول على الدور الباكستاني لفتح ثغرة في جدار الصمت مع طهران.

​وتشير تقارير صحفية لنيويورك تايمز إلى أن قائد الجيش الباكستاني المشير سيد عاصم منير بات يمثل حلقة الوصل الأكثر موثوقية بين البيت الأبيض والدوائر القيادية في طهران خلال هذه المرحلة الحساسة. ويتردد أن منير نقل خطة سلام أمريكية تتألف من 15 نقطة جوهرية، تهدف إلى صياغة اتفاق إطاري جديد يتجاوز التوترات السابقة، ويضع أسساً مختلفة للتعامل مع الملفات الشائكة التي تعصف بأمن واستقرار إقليم الشرق الأوسط.

تحركات إقليمية ودولية لكسر الجمود

​لا تقتصر جهود الوساطة على باكستان وحدها، بل دخلت تركيا ومصر وبقوة على خط نقل الرسائل المتبادلة بين واشنطن والقيادة السياسية في طهران لضمان عدم انزلاق الأمور نحو المواجهة الشاملة. ويؤكد المسؤولون في أنقرة أن دورهم يتجاوز مجرد نقل البريد السياسي إلى محاولة تقريب وجهات النظر، رغبةً في نزع فتيل الأنفجار الذي يهدد مصالح الجميع، خاصة في ظل حالة الحذر المتبادل التي تسيطر على الأطراف.

​وفي ذات السياق، كشف مسؤول أوروبي رفيع عن وجود اتصالات تجريها دول خليجية ومصر لتأمين قنوات خلفية مستقرة، تضمن استمرار تدفق المعلومات بين الولايات المتحدة والمسؤولين في طهران رغم غياب المفاوضات المباشرة. وتعكس هذه التحركات الجماعية رغبة إقليمية عارمة في تجنب سيناريوهات الحرب المفتوحة، إلا أن كثرة الوسطاء تعبر في الوقت نفسه عن غياب آلية تواصل موحدة ومتفق عليها بين القطبين المتصارعين حتى اللحظة.

​أما الموقف الصيني فقد جاء داعماً لهذا الحراك، حيث حث وزير الخارجية وانغ يي القيادة في طهران على استغلال أي نافذة متاحة للسلام وتفضيل لغة الحوار على قرقعة السلاح في هذه الظروف. وترى بكين أن الانخراط في مفاوضات مبكرة سيجنب المنطقة خسائر لا يمكن تعويضها، ويمنح الأطراف فرصة لصياغة تسوية سياسية تحمي المصالح الاقتصادية الدولية، خاصة فيما يتعلق بسلامة الممرات المائية الحيوية التي تسيطر عليها إيران.

​وتسود توقعات بأن تشهد الساعات القادمة اجتماعاً مرتقباً في إسلام آباد يجمع مسؤولين من مستويات مختلفة، في محاولة لوضع حجر الأساس لجولة تفاوضية رسمية بين واشنطن و طهران برعاية دولية. ورغم الأنباء التي تتحدث عن انفتاح أولي من الجانب الإيراني، إلا أن الموافقة الرسمية والنهائية لا تزال معلقة بانتظار مشاورات داخلية معقدة تشمل كافة مؤسسات صنع القرار في الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال الوقت الحالي.

خطة واشنطن والمناورة عبر القنوات الخلفية

​تتحدث التسريبات الدبلوماسية عن ضغوط أمريكية هائلة لعقد لقاء مباشر وسريع، حيث وصلت مسودة الخطة المكونة من 15 بنداً إلى صناع القرار في طهران عبر الوسطاء الإقليميين صباح يوم الإثنين الماضي. وتسعى إدارة ترمب من خلال هذه الخطة إلى فرض رؤية شاملة للحل، تتضمن ملفات حساسة مثل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، مقابل وعود برفع العقوبات الاقتصادية الخانقة وإعادة دمج إيران في النظام المالي العالمي.

​ويبرز اسم جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، كمرشح محتمل لقيادة الوفد التفاوضي إلى جانب مستشارين مقربين من ترمب، وذلك لإرسال رسالة مفادها أن واشنطن جادة في الوصول لاتفاق مع طهران. ويرى مراقبون أن اختيار فانس يهدف لتهدئة مخاوف الإيرانيين من الجناح المتشدد في الإدارة الأمريكية، ومحاولة بناء جسر من الثقة المفقودة عبر شخصيات لا تصنف ضمن "صقور" الإدارة التقليديين الذين ينتهجون سياسات تصادمية دائماً.

​إلا أن هذه الأجواء المتفائلة تصطدم بحائط الصد الذي تبنيه الخارجية الإيرانية، حيث نفى السفير الإيراني في باكستان وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة. واعتبر السفير أن ما يروج له الإعلام الأمريكي حول قرب التوصل لاتفاق مع طهران هو محض ادعاءات لا أساس لها من الصحة، مؤكداً أن المشاورات مع الدول الصديقة تقتصر فقط على سبل وقف العدوان العسكري.

​وتعكس هذه التناقضات بين الأنباء عن وجود خطة سلام والنفي الرسمي حالة من الصراع الداخلي أو توزيع الأدوار في طهران، حيث يرفض التيار العسكري أي حديث عن التراجع تحت وطأة التهديدات. ويبدو أن الجانب الإيراني يتعمد الغموض في تصريحاته العلنية لرفع سقف المطالب وضمان الحصول على أكبر قدر من المكاسب السياسية والأمنية قبل الجلوس الفعلي على طاولة المفاوضات المقترحة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

التشدد العسكري وجدار الرفض الإيراني

​لم تتوقف نبرة التحدي عند الدبلوماسيين، بل امتدت لتشمل القيادات العسكرية في هيئة الأركان التي سخرت علناً من تصريحات ترمب حول وجود محادثات سلام جارية مع طهران في الوقت الراهن. واعتبر القادة العسكريون أن الهوة بين الطرفين لا تزال شاسعة جداً، وأن العقيدة العسكرية الإيرانية لا تسمح بالتفاوض مع أطراف لا تلتزم بالعهود الدولية وتستمر في ممارسة الضغوط القصوى ضد الشعب الإيراني ومقدراته الوطنية.

​كما عزز المتحدث باسم الخارجية الإيرانية هذا التوجه، مذكراً بما وصفها بالخبرات المريرة والكارثية مع الدبلوماسية الأمريكية التي أدت سابقاً إلى تعرض بلاده للقصف خلال جولات تفاوض سابقة تحت غطاء السلام. ويرى المسؤولون في طهران أن السلوك الأمريكي المزدوج يجعل من أي دعوة للحوار مجرد مناورة سياسية تهدف لكسب الوقت، مما يضع مصداقية واشنطن على المحك أمام الرأي العام الإيراني الذي يطالب بضمانات حقيقية وملموسة.

​وفي محاولة لتثبيت موقفها، تصر القوى الأمنية المرتبطة بالحرس الثوري على أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يسبقه اعتراف كامل بالأهداف الاستراتيجية التي وضعتها طهران منذ بداية الصراع الحالي. وتعتبر هذه الجهات أن الدخول في مسارات تفاوضية غير واضحة المعالم يمثل مخاطرة غير محسوبة، خاصة مع أطراف أثبتت تاريخياً قدرتها على نقض الاتفاقيات الكبرى بمجرد تغير الإدارات في البيت الأبيض الأمريكي.

​وتشير التقارير الواردة من داخل إيران إلى أن المؤسسة العسكرية تشترط وقفاً كاملاً لما تصفه بالعدوان والاغتيالات كخطوة أولى قبل النظر في أي مقترح سياسي يصل إلى طهران عبر الوسطاء. كما تطالب هذه القيادات بضمانات دولية صارمة تمنع تكرار العمليات العسكرية، وتكفل تعويضات مالية ضخمة عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت الحيوية خلال الأسابيع الأربعة الماضية من الحرب المستعرة في المنطقة.

شروط طهران الخمسة والمطالب الاستراتيجية

​تتمسك الدوائر الأمنية في طهران بخمسة شروط أساسية لا تقبل التفاوض، تبدأ بوقف فوري للعمليات العسكرية ورفع الحصار الاقتصادي الشامل المفروض على البلاد منذ سنوات طويلة لضمان تدفق السلع والخدمات. وتشمل هذه الشروط أيضاً ضرورة الاعتراف بسيادة إيران الكاملة على مضيق هرمز، باعتباره حقاً قانونياً وتاريخياً لا يمكن التنازل عنه تحت أي ظرف من الظروف السياسية أو الضغوط العسكرية الدولية.

​علاوة على ذلك، تطالب طهران بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بشكل كامل، ودفع تعويضات مالية عن الخسائر الناجمة عن العقوبات والحروب، وضمان أمن جميع فصائل المقاومة الحليفة لها في الإقليم. ويرى البرلمانيون الإيرانيون أن أي اتفاق لا يتضمن هذه البنود سيكون اتفاقاً هشاً لن يصمد طويلاً، ولن يحقق السلام المستدام الذي تنشده الشعوب في هذه المنطقة الحيوية من العالم المضطرب سياسياً.

​وفي المقابل، تتضمن الرؤية الأمريكية شروطاً توصف بالقصوى، حيث تطالب واشنطن طهران بوقف تخصيب اليورانيوم تماماً، وتفكيك المنشآت النووية الحساسة، والتخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف دولي صارم. كما تشمل المطالب الأمريكية كبح برنامج الصواريخ الباليستية ومنع وصول الدعم المالي والعسكري للجماعات الموالية لإيران في دول الجوار، وهو ما تعتبره طهران تدخلاً سافراً في شؤون أمنها القومي.

​وتسعى واشنطن من خلال هذه الحزمة الواسعة إلى انتزاع تنازلات استراتيجية تغير موازين القوى في المنطقة، مستغلة الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها طهران في الوقت الحالي نتيجة الصراع المستمر. ويرى المحللون أن الفجوة بين المطالب الإيرانية والشروط الأمريكية تمثل التحدي الأكبر أمام الوسطاء، حيث يطلب كل طرف من الآخر تنازلات تمس جوهر وجوده السياسي وهيبته الدولية أمام حلفائه وخصومه على حد سواء.

إسرائيل والأسواق وتحت مجهر التوقعات

​تراقب تل أبيب هذه التحركات الدبلوماسية بحذر شديد وقلق مشروع، حيث يخشى المسؤولون الإسرائيليون من أن تؤدي المفاوضات إلى تقديم تنازلات أمريكية تضر بأمن إسرائيل القومي في نهاية المطاف. وتطالب الحكومة الإسرائيلية بضرورة الاحتفاظ بحق توجيه ضربات استباقية ضد أي تهديد نووي أو عسكري من جانب طهران، حتى في حال التوصل إلى اتفاق سياسي بين القوى الكبرى والجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال الفترة القادمة.

​وعلى الرغم من هذا التشاؤم السياسي، إلا أن الأسواق العالمية استجابت بشكل إيجابي وسريع لمجرد الحديث عن احتمالية وجود وساطة ناجحة لإنهاء الحرب في طهران والمنطقة المحيطة بها قريباً. فقد سجلت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً، بينما استعادت البورصات العالمية بعض عافيتها مع تجدد آمال المستثمرين في استقرار إمدادات الطاقة وتجنب صدمة اقتصادية عالمية جديدة قد تنجم عن اتساع رقعة الصراع العسكري الدائر.

​ومع ذلك، تدرك القوى الدولية أن الاستقرار المالي لن يكون كافياً لتثبيت مسار سياسي طويل وشاق، خاصة في ظل انعدام الثقة التاريخي الذي يطبع العلاقة بين واشنطن و طهران منذ عقود. فالشكوك لا تزال تراود القادة الإيرانيين الذين يرون في التعزيزات العسكرية الأمريكية المستمرة في المنطقة دليلاً على عدم جدية واشنطن في تحقيق سلام حقيقي يحفظ حقوق جميع الأطراف دون استثناء أو تمييز.

​يبقى السؤال قائماً حول قدرة الوسطاء في باكستان وتركيا ومصر على ردم هذه الهوة العميقة، وتحويل مقترح الـ 15 بنداً إلى واقع ملموس يقبله صانع القرار في طهران دون الشعور بالانكسار. إن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير المنطقة، فإما الذهاب نحو تسوية تاريخية تنهي عقوداً من العداء، أو العودة إلى مربع المواجهة الذي قد يحرق الأخضر واليابس في صراع لا منتصر فيه.

تابع موقع تحيا مصر علي