عاجل
الأربعاء 27 مايو 2026 الموافق 10 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

ارتفاع قياسي في درجة الحرارة يضرب أوروبا ويتسبب في سبع وفيات بفرنسا

ارتفاع في درجات الحرارة
ارتفاع في درجات الحرارة بأوروبا

​تشهد القارة الأوروبية في الأيام الحالية موجة حر استثنائية ومبكرة للغاية أدت إلى تسجيل قفزات تاريخية في درجة الحرارة التي اجتاحت دول الغرب وتسببت في خسائر بشرية ومادية وتغييرات جذرية في نمط الحياة اليومية للمواطنين.

 تحولت الشواطئ والضفاف النهرية إلى ملاذات عشوائية هربا من قيظ الشمس الحارق الذي داهم الدول في توقيت غير معتاد من العام، لتعلن مراكز الأرصاد في مختلف العواصم حالة الطوارئ القصوى لمواجهة هذا التحدي المناخي الجسيم.

​وحسب تقرير نشرته صحيفة ذا جارديان البريطانية نقلا عن مصادر رسمية فرنسية فإن سبعة أشخاص لقوا حتفهم في فرنسا جراء الارتفاع المفاجئ في درجة الحرارة، حيث غرق خمسة منهم في الأنهار والبحيرات بعد تدافعهم للمياه للاستحمام قبل بدء موسم الإشراف الرسمي على الشواطئ، بينما توفيت امرأة أثناء مشاركتها في بطولة رياضية بمدينة ليون وتعرض رجل لخمسينات عمره لنوبة قلبية قاتلة خلال سباق ركض بباريس، بالإضافة لنقل ستة عشر آخرين للمستشفيات في حالات حرجة جدا.

​وفي سياق متصل أكدت الهيئة الوطنية الفرنسية للأرصاد الجوية والمناخ أن المؤشر الحراري الوطني تجاوز كل الحدود التاريخية المسجلة سابقا، حيث قفزت درجة الحرارة لمستويات قياسية بلغت أربعا وعشرين فاصل ثماني درجة مئوية كمعدل وطني عام، مما جعل الوكالة تطلق حالة التأهب البرتقالي والإنذار المبكر في ثلاث عشرة محافظة فرنسية وتضع تسعا وعشرين أخرى تحت التحذير الأصفر، وهي إجراءات حمائية مشددة لم تحدث منذ إطلاق منظومة الطوارئ الوطنية قبل أكثر من عقدين.

تأثيرات مناخية عابرة للحدود تكسر الأرقام التاريخية في بريطانيا وإسبانيا

​ولم تقتصر هذه الظاهرة المناخية العنيفة على الأراضي الفرنسية بل امتدت لتضرب المملكة المتحدة التي سجلت أعلى درجة الحرارة في تاريخها لشهر مايو عند خمس وثلاثين درجة مئوية قرب العاصمة لندن، متجاوزة الرقم القياسي المكسور قبل أيام قليلة، مما وضع مناطق شاسعة من البلاد تحت طائلة تحذيرات الحر الشديد المستمر لعدة أيام متتالية، وهو أمر غير مألوف بالمرة في مثل هذه الأوقات من السنة في بريطانيا.

​ووفقا لما أعلنته هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية فإن البلاد تواجه تدفقا مستمرا لكتل هوائية شديدة السخونة رفعت درجة الحرارة إلى حدود تتراوح بين ست وثلاثين وثماني وثلاثين درجة مئوية في أودية جواديانا وجواداكيفير وإيبرو، مع توقعات رسمية بتجاوز حاجز الأربعين درجة في الأيام المقبلة، مما يشكل خطرا حقيقيا على المحاصيل الزراعية ومخزونات المياه العذبة ويزيد من احتمالات اندلاع حرائق الغابات الكارثية في المحافظات الجنوبية والوسطى.

​وفي ذات الإطار وثقت محطات الرصد في إيرلندا قفزة استثنائية جعلت درجة الحرارة تصل لثمان وعشرين فاصل ثماني درجة مئوية لتصبح الأعلى على الإطلاق في التاريخ المعاصر للبلاد خلال هذا الشهر، بينما فرضت السلطات الإيطالية في إقليم لاتسيو المحيط بالعاصمة روما قيودا صارمة لمنع العمل في الهواء الطلق خلال ساعات الذروة حماية لعمال البناء والمزارعين وموظفي التوصيل من ضربات الشمس الحارقة.

تحذيرات علمية من قبة حرارية تحاصر الأجواء الأوروبية وتغير المواسم

​وبناء على تقرير علمي نشرته وكالة فرانس برس فإن ما يثير رعب علماء المناخ ليس مجرد الأرقام المسجلة بل الدلالات البيئية العميقة التي تؤكد أن الارتفاع المستمر في درجة الحرارة بات يزحف نحو أشهر الربيع والخريف، حيث حذر عالم المناخ الفرنسي روبير فوتار من أن امتداد مواسم القيظ ليصبح ظاهرة اعتيادية في أبريل وأكتوبر مستقبلا هو السمة الجوهرية والواضحة لتسارع وتيرة التغير المناخي العالمي الذي نعيشه حاليا.

​وأرجعت الهيئات الجغرافية المتخصصة في باريس نشوء هذه الموجة إلى تشكل ما يعرف علميا بالقبة الحرارية الناتجة عن تدفق هواء حار وجاف قادم من الصحراء المغربية وظل محاصرا تحت تأثير منطقة ضغط جوي مرتفع، مما يؤدي إلى مكوث الطقس السيئ لفترات طويلة فوق المدن الأوروبية، مؤكدة أن مثل هذه الأحداث المتطرفة ستتكرر مستقبلا بشكل متزايد ومبكر وأكثر حدة وضراوة من أي وقت مضى.

​وصرح عالم المناخ كريستوف كاسو لصحيفة لو موند الفرنسية بأن ما تشهده القارة حاليا يعد حدثا فريدا وغير مسبوق باحتمالية وقوع لا تتخطى واحدا في الألف بناء على السجلات التاريخية الممتدة لعقود طويلة، مشيرا إلى أن وصول درجة الحرارة لهذه المستويات في هذا التوقيت كان أمرا شبه مستحيل في الحقبة ما قبل الصناعية، مما يدعم النماذج العلمية التي تؤكد تضاعف احتمالات هذه الموجات عشرات المرات.

استنفار حكومي واجتماعات طارئة لمواجهة التداعيات الصحية والاقتصادية للحر

​وعلى ضوء هذه التطورات المتسارعة استدعى رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو اجتماعا وزاريًا طارئًا لتقييم استعدادات الدولة وتنسيق الجهود بين الجهات الصحية والدفاع المدني، بهدف تفعيل خطط الطوارئ الوطنية وتوفير مراكز تبريد للمواطنين وتقديم الرعاية العاجلة للفئات الأكثر عرضة للخطر مثل كبار السن والأطفال، متوقعا استمرار الأزمة الحالية حتى نهاية الأسبوع مع مخاوف من تزايد أعداد الضحايا والمصابين بالإجهاد الحراري.

​وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية فإن التغيرات الحادة التي تطرأ على درجة الحرارة الإقليمية تتطلب استراتيجيات تكيف فورية من الحكومات تشمل تعديل قوانين العمل لحماية العمالة اليومية وتطوير البنية التحتية للمدن لتصبح أكثر مقاومة للاحتباس الحراري، بالإضافة لزيادة المساحات الخضراء وتقليص الانبعاثات الكربونية المصنعة التي تعد المتهم الأول والأساسي وراء غليان الكوكب وظهور الأزمات البيئية المتلاحقة التي تهدد الأمن الغذائي والصحي للبشرية جمعاء.

​وفي ختام المشهد  المأساوي تبدو العواصم الأوروبية وكأنها تواجه اختبارا حقيقيا لقدرتها على الصمود أمام الطبيعة الغاضبة، حيث لم تعد تحذيرات العلماء مجرد فرضيات مستقبلية بل واقعا ملموسا يتجسد في درجات حرارة تكسر الحواجز التاريخية وتزهق الأرواح وتجبر الحكومات على إعادة النظر في خططها التنموية والبيئية لمواجهة مستقبل غامض قد تكون فيه هذه الموجات القاتلة هي النمط الطبيعي المعتاد للحياة اليومية.

تابع موقع تحيا مصر علي