< سر السيمفونية الرائعة..دراسات تكشف سبب تغريد الطيور قبل الفجر
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

سر السيمفونية الرائعة..دراسات تكشف سبب تغريد الطيور قبل الفجر

تحيا مصر

تمثل الطيور المغردة ما يقرب من نصف أنواع الطيور حول العالم، ورغم اختلاف أنماط تغريدها، فإن مشهد الأصوات المتدفقة مع بزوغ الفجر يكاد يكون مشتركًا بينها جميعًا.

يبدأ التغريد عادةً في ساعات مبكرة جدًا من الصباح، أحيانًا منذ الرابعة فجرًا، في ظاهرة طبيعية آسرة تُعرف باسم «جوقة الفجر».

تفسيرات تقليدية: سيطرة وإعلان وجود

وبحسب ما نشرته صحيفة Metro البريطانية، يرى علماء الأحياء أن التغريد الصباحي وسيلة تستخدمها الطيور لتأكيد سيطرتها على أراضيها، وإرسال رسائل واضحة للمنافسين بحدود مناطق النفوذ الخاصة بها.
كما تلجأ الطيور المهاجرة إلى التغريد في الصباح الباكر للإعلان عن وصولها واستقرارها في موطن جديد، بما يسمح للطيور الأخرى بمعرفة مواقعها.

الصباح هو المسرح المثالي للصوت

يرى فريق آخر من علماء الطيور أن الصباح الباكر يوفر أفضل بيئة صوتية للتغريد؛ فالضوضاء تكون في أدنى مستوياتها، والهواء أكثر كثافة، ما يساعد على انتقال الصوت لمسافات أبعد وبوضوح أكبر، ويجعل الطائر «يسمع نفسه» بأفضل صورة ممكنة.

دراسة حديثة تكشف السبب الأعمق
في تطور علمي لافت، توصلت دراسة حديثة أُجريت على طيور الحمار الوحشي (Zebra Finches) إلى تفسير أكثر دقة، مؤكدة أن تغريد الفجر ليس تعبيرًا عشوائيًا عن النشاط أو الفرح، بل نتيجة كبت صوتي إجباري يحدث طوال الليل.

الدراسة أوضحت أن الظلام يثبط الرغبة الفطرية لدى الطيور في الغناء، ومع ظهور أول إشارات الضوء، تنفجر هذه الرغبة المكبوتة في شكل تغريد قوي ودقيق، وهو ما يفسر الحماس اللافت الذي يميز أصوات الفجر.

الغناء الارتدادي.. فرضية علمية جديدة

وأظهرت نتائج التجارب أن هذا السلوك متأصل بيولوجيًا وليس عادة مكتسبة. فعندما قام الباحثون بتأخير الإضاءة لعدة ساعات، غردت الطيور بكثافة أعلى من المعتاد فور إضاءة المكان، في دليل واضح على ما يُعرف بـ «فرضية الغناء الارتدادي» (Rebound Singing Hypothesis)، حيث يؤدي الكبت الطويل إلى إطلاق صوتي أعنف وأغنى.

هرمون الميلاتونين يدخل على الخط

وكشفت الدراسة عن دور محوري لهرمون الميلاتونين في تنظيم هذا السلوك؛ إذ ينخفض مستواه قبل الفجر، ما يهيئ الطائر للاستيقاظ والنشاط.

وعندما تم تعطيل تأثير هذا الهرمون تجريبيًا، بدأت الطيور بالتغريد في وقت أبكر من المعتاد، ما يؤكد أن الضوء يكمل ما تبدأه الإشارات الهرمونية.

إحماء صوتي قبل تحديات اليوم

لم يقتصر تفسير العلماء على الجانب الهرموني فقط، بل أشاروا إلى أن تغريد الفجر يعمل كـ «إحماء صوتي»، حيث تفقد الطيور جزءًا من دقتها الصوتية خلال الصمت الليلي الطويل.

ويساعد التغريد المبكر على استعادة التحكم في النغمات وتحسين الأداء قبل الدخول في منافسات اليوم.

فوائد تطورية وتواصلية
وأكد الباحثون أن لجوقة الفجر فوائد تطورية واضحة؛ فهي:
تعلن عن صحة الطائر وجاهزيته البدنية
تجذب الإناث
تثبط المنافسين
تعكس القدرة على التحمل والدقة الصوتية
وبذلك، لا تُعد أصوات الفجر مجرد موسيقى طبيعية، بل لغة بقاء وتكاثر وتواصل.

مفاجآت التجارب المعملية

أظهرت التجارب أن الطيور لم تستفد من تأخير الضوء في النوم، بل كانت مستيقظة وتتحرك في الظلام، لكنها «تحبس صوتها» حتى تلوح أولى إشارات الضوء. وفي تجربة أخرى، زُودت الطيور بمفتاح يشغل الضوء لبضع ثوانٍ، فبادرت باستخدامه مرارًا، وكأنها تُعجل بموعد الفجر بنفسها.

تفسير علمي نهائي
وبحسب الفريق البحثي بقيادة إدني باروس دوس سانتوس من Korea Brain Research Institute، فإن ما يحدث في المختبر لا يختلف كثيرًا عن الطبيعة؛ فطيور البرية تستيقظ مبكرًا بدافع هرموني، ويمنعها الظلام من الغناء، حتى يأتي الضوء ليحوّل الدافع المتراكم إلى سيمفونية صباحية مكتملة.

تغريد الطيور عند الفجر ليس ضجيجًا عابرًا، بل نتاج تفاعل دقيق بين الهرمونات والبيئة والكبت الصوتي، ليخرج في صورة واحدة من أروع الظواهر الطبيعية التي تجمع بين العلم والجمال.