عاجل
الجمعة 30 يناير 2026 الموافق 11 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

لصوص المياه.. حروب العطش القادمة وخصخصة الأنهار العابرة للحدود

سد النهضة الإثيوبي
سد النهضة الإثيوبي

 حروب العطش القادمة لم تعد مجرد سيناريو بائس في روايات الخيال العلمي أو تحذيراً عابراً في تقارير الأمم المتحدة، بل باتت واقعاً ملموساً يرسم ملامح النظام العالمي الجديد، حيث تتشكل خريطة الصراعات الحديثة حول مجاري الأنهار بدلاً من حقول النفط. 

في هذا المشهد القاتم، يبرز مصطلح "لصوص المياه" ليصف ممارسات دول المنبع التي قررت هندسة الجغرافيا لصالحها، مستبدلة مبادئ حسن الجوار والانتفاع المشترك بسياسات الهيمنة المطلقة، حيث تقوم هذه الدول ببناء سدود عملاقة لا تهدف لتوليد الكهرباء فحسب، بل تعمل كأدوات تحكم سياسي تخنق دول المصب وتهدد وجودها، مما يحول الأنهار العابرة للحدود من شرايين للحياة والتعاون إلى فتيل اشتعال ينذر بانفجارات عسكرية وشيكة.

 إن العالم اليوم يقف عاجزاً أمام سطوة الجغرافيا السياسية الجديدة التي تبيح لدولة ما أن تحبس الأنفاس المائية عن جارتها، متسلحة بخرسانة السدود وغياب الرادع القانوني، لتعيد تعريف مفاهيم السيادة والأمن القومي بطريقة تجعل من الماء السلعة الأغلى والأخطر في القرن الحادي والعشرين.

سيكولوجية الهيمنة المائية وسقوط الاتفاقيات التاريخية

تتغذى حروب العطش القادمة على انهيار النظام القانوني الدولي الذي كان يحكم الأنهار المشتركة لعقود طويلة، حيث بدأت دول المنبع تتبنى عقيدة "السيادة الإقليمية المطلقة"، وهي نظرية سياسية خطرة تمنح الدولة الحق الكامل في التصرف بالمياه التي تجري في أراضيها دون أي اعتبار للضرر الواقع على الدول الأخرى. 

هذه النظرة الأحادية حولت المياه إلى ورقة ضغط أمنية بامتياز، فالسدود الحديثة لم تعد مجرد مشاريع تنموية بريئة، بل أصبحت قلاعاً استراتيجية تمكن المتحكم فيها من إملاء شروطه السياسية والاقتصادية على الجيران العطشى.

 وتشير الدراسات الاستراتيجية إلى أن القوى الصاعدة في منابع الأنهار الكبرى تسعى لفرض أمر واقع جديد ينسف الاتفاقيات التاريخية التي تصفها بـ "الإرث الاستعماري"، مستغلة الفراغ التشريعي الدولي لفرض معادلات صفرية: إما التنمية لنا، أو العطش لكم!؟

هذا التحول الجذري في العقيدة المائية ينقل الصراع من أروقة الدبلوماسية والمفاوضات الفنية إلى غرف العمليات العسكرية، حيث يصبح تدمير سد أو حمايته مسألة حياة أو موت لشعوب بأكملها، وهو ما يهيئ المسرح الدولي لصراعات تتجاوز الحدود التقليدية وتضرب في عمق الأمن الإنساني والغذائي العالمي.

النيل الأزرق.. صراع الوجود بين التنمية والموت

في حوض النيل، تتجسد حروب العطش القادمة في أعقد صورها وأكثرها خطورة من خلال أزمة سد النهضة الإثيوبي الذي يمثل نقطة تحول تاريخية في العلاقة بين دول الحوض، فبينما تروج أديس أبابا للمشروع باعتباره رمزاً للنهضة الوطنية وحقاً أصيلاً في استغلال الموارد لتوليد الطاقة وانتشال الملايين من الفقر، تنظر القاهرة والخرطوم إلى السد باعتباره تهديداً وجودياً مباشراً يمس الأمن القومي المائي. 

تكمن المعضلة الحقيقية في غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات الملء والتشغيل في سنوات الجفاف والجفاف الممتد، حيث تخشى مصر، التي تعتمد على النيل بنسبة تتجاوز 97% في تلبية احتياجاتها المائية، من أن يؤدي التحكم الإثيوبي المنفرد إلى تبوير ملايين الأفدنة الزراعية وتملح أراضي الدلتا، مما يعني كارثة اجتماعية واقتصادية لا يمكن احتواؤها. 

إن تعنت الموقف الإثيوبي ورفض الوساطات الدولية الملزمة يعكس رغبة واضحة في تحويل النهر إلى أداة نفوذ جيوسياسي في القرن الأفريقي، مما يضع المنطقة برمتها على صفيح ساخن قد ينزلق في أي لحظة إلى مواجهة مفتوحة دفاعاً عن الحق في الحياة، خاصة مع تزايد الضغوط الشعبية في دول المصب التي ترى في تناقص حصص المياه نذيراً بكارثة محققة لا يمكن السكوت عنها.

دجلة والفرات.. تعطيش بلاد الرافدين وسلاح السدود التركية

على الجبهة الشرقية، تقدم تركيا نموذجاً تطبيقياً قاسياً لما يمكن أن تؤول إليه حروب العطش القادمة عبر مشروع "جنوب شرق الأناضول" (GAP)، الذي يضم سلسلة ضخمة من السدود ومحطات الطاقة، أبرزها سد "إليسو" الذي غير وجه الحياة في العراق وسوريا.

 تتعامل أنقرة مع نهري دجلة والفرات باعتبارهما "أنهاراً عابرة للحدود" وليست "أنهاراً دولية"، وهو تلاعب لفظي يهدف للتنصل من التزامات تقاسم المياه العادل، وقد أدى هذا النهج إلى انخفاض كارثي في مناسيب المياه الواصلة إلى العراق، مما تسبب في جفاف مساحات شاسعة من الأهوار التاريخية التي تعد إرثاً إنسانياً عالمياً، وارتفاع اللسان الملحي في شط العرب، وتصحر الأراضي الزراعية الخصبة.

 تتجاوز الأزمة البعد البيئي لتصل إلى الاستخدام السياسي الفج للمياه، حيث تستخدم تركيا تدفق المياه كورقة مساومة ضد الحكومة العراقية والسورية لانتزاع تنازلات في ملفات أمنية تتعلق بحزب العمال الكردستاني أو لتعزيز نفوذها الإقليمي، جاعلة من "صنبور المياه" سلاحاً فتاكاً يعاقب شعوباً كاملة بالعطش والجوع، وهو ما يخلق بيئة خصبة للاضطرابات الاجتماعية والهجرة القسرية التي قد تزعزع استقرار المنطقة لعقود قادمة.

تنين الميكونج.. الهيمنة الصامتة وخنق جنوب شرق آسيا

في أقصى الشرق، يرسم نهر الميكونج فصلاً آخر من فصول حروب العطش القادمة تحت وطأة النفوذ الصيني المتصاعد، حيث قامت بكين ببناء سلسلة من السدود العملاقة على المنابع العليا للنهر الذي تطلق عليه اسم "لانكانج"، متحكمة بذلك في شريان الحياة لأكثر من ستين مليون إنسان في دول المصب مثل فيتنام، تايلاند، كمبوديا، ولاوس.

 وتكشف التقارير العلمية وصور الأقمار الصناعية أن السدود الصينية تسببت في احتجاز كميات هائلة من المياه خلال مواسم الجفاف، مما فاقم من معاناة المزارعين والصيادين في دول المصب وأدى إلى انخفاض تاريخي في منسوب بحيرة "تونلي ساب" في كمبوديا، التي تعد مخزوناً غذائياً استراتيجياً للمنطقة.

الأخطر في الحالة الصينية هو غياب الشفافية الكاملة، حيث ترفض بكين مشاركة البيانات الهيدروليكية الدقيقة مع دول المصب إلا في نطاق ضيق، وتستخدم نفوذها الاقتصادي الهائل لإسكات الأصوات المعترضة، فارضة "دبلوماسية المياه القسرية" التي تجعل دول الجوار رهينة للقرار الصيني في فتح أو إغلاق بوابات السدود. 

هذا التحكم في نبض النهر لا يدمر البيئة والنظام الإيكولوجي فحسب، بل يعيد تشكيل التحالفات السياسية في جنوب شرق آسيا، جاعلاً من المياه الأداة الأقوى في يد التنين الصيني لبسط نفوذه دون إطلاق رصاصة واحدة.

السيناريوهات السوداء ومستقبل الأمن العالمي

إن تلاقي طموحات الهيمنة السياسية مع تداعيات التغير المناخي يجعل من حروب العطش القادمة الاحتمال الأقرب للواقع في العقود المقبلة، حيث سيعمل الاحتباس الحراري كمضاعف للأزمات، مما يجعل كل قطرة مياه محتجزة خلف السدود سبباً كافياً لإشعال فتيل النزاع. ولم يعد مستبعداً أن نشهد تحالفات عسكرية جديدة تتشكل بناءً على المصالح المائية، أو عمليات تستهدف البنية التحتية للسدود كنوع من الدفاع الاستباقي عن الوجود. 

إن المجتمع الدولي اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإسراع في صياغة مواثيق دولية ملزمة تجرم استخدام المياه كسلاح وتفرض آليات تحكيم صارمة لإدارة الأحواض المشتركة تحت مظلة أممية فاعلة، وإما الاستسلام لقانون الغاب المائي حيث البقاء للأقوى وللأقدر على تعطيش جاره.

إن استمرار سياسة "لصوص المياه" دون رادع لن يؤدي فقط إلى جفاف الأنهار، بل سيجفف عروق الاستقرار العالمي، محولاً مناطق واسعة من العالم إلى بؤر صراع دائم لا تنطفئ نيرانها إلا بعودة المياه إلى مجاريها الطبيعية والعادلة.

تابع موقع تحيا مصر علي