"ثعلب" واشنطن و"قنفذ" طهران.. هل اقتربت ساعة الصفر بين ترامب وخامنئي؟
كشف تقرير تحليلي نشرته مجلة 'ذا أتلانتيك' الأمريكية، عن أن تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه المرشد الإيراني علي خامنئي تُخفي أبعاداً فلسفية وعسكرية عميقة تحكم صراعهما الراهن، واصفاً المواجهة بأنها صدام بين 'ثعلب' براجماتي و'قنفذ' عقائدي، في ظل تحشيد عسكري غير مسبوق بالمنطقة."
ووفق التقرير الذي كتبه المحلل السياسي الأمريكي المتخصص في الشؤون الإيرانية، كريم سجادبور، فإن ترامب وخامنئي يشكلان لغزاً كاملاً لبعضهم البعض، ويُعد عدم التماثل في قناعاتهم هو المحرك الأساسي للأزمة بين بلديهما والتي تضع الشرق الأوسط على حافة الانفجار.
ففي الوقت الحالي اجتمعت أقوى الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، محيطةً بإيران ومستعدةً لضربها براً وبحراً وجواً.
تشمل هذه الأصول 10 سفن حربية متطورة وعشرات الطائرات المقاتلة القادرة على الطيران بضعف سرعة الصوت لإلقاء حمولات تزن 20,000 رطل.
وقد رد المسؤولون الإيرانيون، بأنهم "لن يستسلموا أبداً"، وأن "أصابعهم على الزناد"، وأنهم مستعدون لضرب "قلب تل أبيب" وإلحاق الضرر بآلاف الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط.
الثعلب والقنفذ
ويرى سجادبور اختبار إرادات بين ترامب (79 عاماً)، وخامنئي (86 عاماً)، يكمن بشخصيات ورؤى عالمية متصادمة، مشيرا إلى أن أفضل إطار لفهمهما لا يأتي من العلوم السياسية، بل من مقال قصير كتبه الفيلسوف البريطاني آيزيا برلين عام 1953 بعنوان "القنفذ والثعلب".
استناداً إلى الشاعر اليوناني القديم أرخيلوخوس، قسم برلين "الكتاب والمفكرين، وربما البشر بشكل عام" إلى فئتين متميزتين: "الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً كبيراً".
كتب برلين أن "القنافذ" يربطون كل شيء برؤية مركزية واحدة، نظام واحد، متماسك أو مفصل إلى حد ما، يفهمون ويفكرون ويشعرون من خلاله؛ مبدأ تنظيمي واحد وعالمي هو وحده الذي يعطي قيمة لكل ما هم عليه وما يقولونه.
وهذا يصف خامنئي، الذي تمحور حكمه المستمر منذ أربعة عقود حول فكرة "المقاومة": ضد أمريكا، وإسرائيل، والآن ضد قطاع واسع من شعبه.
أما "الثعالب"، كما كتب برلين، فهم "يسعون وراء غايات كثيرة، غالباً ما تكون غير مترابطة بل ومتناقضة، ولا ترتبط -إن وجدت- إلا بطريقة واقعية ما، لسبب نفسي أو فسيولوجي، ولا ترتبط بأي مبدأ أخلاقي أو جمالي".
وبينما قد يختلف مؤيدوه ومعارضوه حول ما إذا كان ينبغي الإشادة بترامب لمرونته أو انتقاده لعدم انسجامه، إلا أنهم قد يتفقون على أنه "جاكسون بولوك" الاستراتيجية الكبرى؛ فلا يوجد رئيس أمريكي جعل الحلفاء والخصوم على حد سواء في حالة تأهب دائم أكثر من ترامب.
تاريخ مضطرب
الرجلان لغز لبعضهما البعض، تفصلهما فجوات أكبر بكثير من مجرد اللغة أو الجغرافيا. ترامب، المتزوج ثلاث مرات وغير المتدين، وُلد في ثراء وعاش حياة من البذخ المطلي بالذهب والأضواء.
أما خامنئي، فقد وُلد في فقر ويزدري الأبهة ظاهرياً، مروجاً لصورة من الزهد الورع. وهو متزوج منذ أكثر من ستة عقود من امرأة لم يرها الجمهور الإيراني قط، ولا حتى في صورة فوتوغرافية.
خامنئي وترامب لديهما بالفعل تاريخ مضطرب؛ ففي عام 2018، سحب ترامب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه مع إيران، وأخضع طهران لحملة "الضغوط القصوى" لإجبارها إما على انهيار النظام أو الاستسلام النووي. رفض خامنئي المساومة، ودعا بدلاً من ذلك إلى "اقتصاد المقاومة"، وقتل آلاف المواطنين الذين احتجوا على سخطهم الاقتصادي.
في عام 2019، انخرط خامنئي في سلسلة من الاستفزازات ضد الولايات المتحدة؛ حيث أسقطت إيران طائرة استطلاع أمريكية مسيرة بقيمة 100 مليون دولار، وشنت هجوماً بصواريخ كروز على منشآت النفط السعودية، مما أدى إلى هز الأسواق العالمية.
وفي أوائل عام 2020، سخر خامنئي شخصياً من ترامب على منصة تويتر (x) حالياً، قائلاً له إنه "لا يستطيع فعل شيء" وإنه "مكروه".
وبعد أيام، رد ترامب ــ مما أثار دهشة حتى مستشاريه ــ باغتيال القائد العسكري الإيراني الأبرز، قاسم سليماني، في العراق؛ مما حول التنافس السياسي إلى ثأر دموي.
ومنذ ذلك الحين، بدأ حساب على منصة (X) مرتبط بمكتب خامنئي يتخيل علانية قتل ترامب في ملعب الجولف، وفي عام 2024 كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عن مؤامرة اغتيال إيرانية فعلية ضده. واليوم، قد يسعى ترامب لقتل خامنئي.
مؤخراً، وتحديداً في الصيف الماضي، ألقى ترامب 14 قنبلة خارقة للتحصينات بزنة 30 ألف رطل على المنشآت النووية الإيرانية. وسيحتاج التاريخ إلى مزيد من الوقت لتحديد مدى فاعلية ذلك القرار، لكن ترامب يروج له عادةً كمثال عظيم على نجاح سياسته الخارجية.
لهذا السبب، ولأن ضربات الصيف دمرت أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، فقد يختار ترامب "رمي النرد" (المقامرة) مرة أخرى.
حذر ترامب طهران ثماني مرات على الأقل من وجود عواقب إذا قتلت إيران المتظاهرين المناهضين للحكومة، إلا أن خامنئي دهس خط ترامب الأحمر، معطياً قواته الأمنية الضوء الأخضر لقتل ما يصل إلى 30 ألف متظاهر خلال فترة 48 ساعة، وهي واحدة من أسوأ المجازر في التاريخ الحديث.
وقد قال خامنئي: "إن المقاومة، على عكس الاستسلام، تؤدي إلى تراجع العدو. عندما يتنمر عليك العدو، إذا تراجعت خطوة إلى الوراء، فإنه سيتقدم بلا شك. الطريقة لمنعه من التقدم هي المقاومة".
عدم تماثل فلسفي
وقال سجادبور إنه خلال فترة ولاية ترامب الأولى، أخبره أحد كبار مستشاريه (بشكل سري، لأنه لم يكن مخولاً بالتحدث علناً) أن أسوأ كابوس لصقور إيران في الحكومة كان أن يعرض خامنئي على ترامب لقاءً، على غرار قمة سنغافورة التي حضرها ترامب مع كيم جونغ أون.
كانوا يعلمون أن الرئيس سينتهز مثل هذه الفرصة، لكن تلك الفرصة لم تأتِ أبداً.
ففي رؤية خامنئي للعالم، كان تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة دائماً بمثابة نقطة ضعف قاتلة، وتهديداً وجودياً لنظام تقوم هويته على مقاومة أمريكا.
هذا "عدم تماثل فلسفي" ــ حيث لا يملك ترامب "الثعلب" معتقدات ثابتة، بينما يمتلك خامنئي "القنفذ" معتقداً ثابتاً واحداً ــ هو المحرك للأزمة الحالية.
ترامب يعتقد أن لكل شخص ثمناً؛ بينما يرى خامنئي أن المعاناة ثمن يستحق الدفع لتحقيق هدفه الفريد. ترامب لا يستطيع أن يفهم لماذا لا تكسر الضغوط والتهديدات خامنئي، فهو يفترض أن كل رجل يمكن شراؤه وأن لكل أمة نقطة انكسار. لكن خامنئي، الذي يتبنى المقاومة والشهادة، والذي يؤمن بأن الرضوخ للضغط يظهر الضعف، لا يمكن إقناعه بالمغريات المادية.
المقاومة أم التكيف
وذكر سجادبور، أن رجل دين مرتبـط بالحكومة في طهران قال له مؤخراً: "دوافع خامنئي لم تعد تقتصر على حكم إيران، بل هي محاربة 'الاستكبار العالمي'" ــ وهو لقبه المفضل لأمريكا وإسرائيل.
أمضى ترامب الأسبوع الماضي في تأرجح حاد بين تهديدات الحرب وعروض السلام؛ حيث حذر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: "أرمادا ضخمة في طريقها إلى إيران"، متباهياً بأنها "جاهزة ومستعدة وقادرة على إنجاز مهمتها بسرعة، وبكل عنف إذا لزم الأمر".
وفي المنشور ذاته، كتب: "نأمل أن تأتي إيران إلى طاولة المفاوضات وتبرم اتفاقاً عادلاً ومنصفاً". لقد هدد في آنٍ واحد بـ"سحق" البلاد، ووصف خامنئي بأنه "رجل مريض"، وطالب باتفاق جديد. وبالنظر إلى تاريخ ترامب، لا يمكن للمرشد الأعلى استبعاد هذه الرشقات باعتبارها تهديدات فارغة.
ومع وجود نظام خامنئي، وحياته شخصياً، على المحك، فلا بد أن غريزة "المقاومة" تتصارع الآن مع غريزة "البقاء" تحت تلك العمامة السوداء.
وبدلاً من مراقبة أحفاده وهم يلعبون، يقضي خامنئي خريف عمره كقنفذ منكمش في مخبئه الحصين، وحياته تحت رحمة رئيس أمريكي وصفه هو نفسه بأنه "مهرج" و"طاغية" سيتم "الإطاحة به".
إذن، مَن يفوز في المعركة بين الثعلب والقنفذ؟ وفقاً لتشارلز داروين، فإن البقاء ليس للأقوى ولا للأكثر ذكاءً، بل للأكثر قدرة على التكيف مع التغيير. بالنسبة لخامنئي، فإن التخلي عن "شيئه الكبير الوحيد" ــ المقاومة ــ يعني انتحاراً أيديولوجياً، لكن رفضه للتكيف قد يضمن الآن فناءه.
تطبيق نبض