عاجل
السبت 07 فبراير 2026 الموافق 19 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

دبلوماسية البارود.. الحشد الأمريكي ضد إيران يكتب بنود اتفاق مسقط من غرفة عمليات «سنتكوم»

تحيا مصر

الحشد الأمريكي ضد إيران ليس مجرد تحريك لقطع الشطرنج العسكرية في رقعة الشرق الأوسط الملتهبة، بل هو إعلان صريح بأن الدبلوماسية في عهد دونالد ترمب باتت تسير على جنزير الدبابات وأجنحة المقاتلات الشبحية.

من مياه بحر العرب الشمالية حيث تشق حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" عباب الموج، إلى القواعد الصامتة في صحراء الأردن ورمال قطر، تُنسج خيوط عملية معقدة تتأرجح بين الرغبة في انتزاع تنازلات تاريخية من طهران في مسقط، وبين نذر مواجهة شاملة قد لا تبقي ولا تذر. إننا أمام مشهد تختلط فيه رائحة البارود بعبق قاعات التفاوض، حيث ترسل واشنطن رسالة مفادها: "إما الاتفاق، وإما الانفجار".

سماء ملبدة بالفولاذ.. الجسر الجوي فوق "العديد" و"الموفق"

بدأت القصة في يناير الماضي، حين تحولت شاشات الرادار في المنطقة إلى خلية نحل لا تهدأ،  فلم تكن تلك مجرد تدريبات روتينية، بل كان الحشد الأمريكي ضد إيران يأخذ طابعاً هجومياً لم تشهده المنطقة منذ ضربات العام الماضي، حيثةتظهر صور الأقمار الصناعية تدفقاً غير مسبوق لأكثر من 35 طائرة مقاتلة ومسيرة، حطت رحالها في قاعدة "العديد" القطرية، بينما استقبلت قاعدة "موفق السلطي" في الأردن أسراباً من طائرات "إف-15 إي" و"إيه-10 سي" المعروفة بـ "صائدة الخزانات".

هذا الانتشار لم يقتصر على المقاتلات الهجومية فحسب، بل شمل "كومبات كينغ" (HC-130J)، وهي طائرات البحث والإنقاذ القادرة على العمل في جنح الظلام الدامس. وجود هذه الطائرات تحديداً، والتي شوهدت آخر مرة بكثافة قبل عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يشي بأن المخططين في البنتاجون يضعون في حسبانهم سيناريوهات "العمليات الخاصة" داخل العمق الإيراني، بما في ذلك إنقاذ طيارين أو تنفيذ غارات برقية خلف خطوط العدو.

"أبراهام لينكولن" في بحر العرب.. رسائل "التوماهوك" العابرة للقارات

في السادس والعشرين من يناير، دخلت حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" نطاق عمليات القيادة المركزية "سنتكوم"، ترافقها مدمرات مجهزة بأنظمة "إيجيس" وصواريخ "توماهوك" التي لا تخطئ أهدافها، فيما يمثل هذا التمركز جزءاً محورياً من الحشد الأمريكي ضد إيران، خاصة وأن المنطقة خلت من الحاملات منذ أكتوبر 2025.

المدمرات المرافقة للحاملة ليست مجرد حراسة، بل هي منصات إطلاق متنقلة قادرة على شل البرنامج النووي الإيراني في ساعات، بينما ما يزيد المشهد إثارة هو وجود مقاتلات "إف-35" المتطورة وطائرات الحرب الإلكترونية "غراولر" (Growler) على متن الحاملة. مهمة هذه الأخيرة واضحة: تعمية الرادارات الإيرانية، وقطع خطوط الاتصال، وفتح ثغرات في الدفاعات الجوية ليتمكن "الحشد الأمريكي" من العبور بأمان نحو أهدافه الاستراتيجية إذا ما فشلت لغة الكلام في مسقط.

جبهة مسقط.. التفاوض في ظلال المدمرات

بينما تتحرك السفن في البحر، تتحرك الأقلام في العمانية مسقط. يعتقد مراقبون أن الحشد الأمريكي ضد إيران هو "الهراوة الغليظة" التي يلوح بها ترمب لإجبار طهران على قبول شروط جديدة لاتفاق نووي موسع.

المسؤولون الأمريكيون يؤكدون أن طهران وواشنطن خاضتا مفاوضات مباشرة، وأن الهدف من التصعيد العسكري هو ممارسة "الضغط الأقصى النسخة 2.0".
دانا سترول، المسؤولة السابقة في البنتاجون، تصف هذا الوضع بـ "تهيئة المسرح". فترمب لا يريد الحرب لذاتها، لكنه يريد أن يرى الإيرانيون فوهات المدافع من نوافذ مكاتبهم وهم يوقعون على الاتفاق. 

إنها مقامرة كبرى؛ فالفشل في مسقط قد يعني أن هذه القوات لن تعود إلى قواعدها إلا بعد تنفيذ المهمة التي حشدت من أجلها، مما يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان.

الرد الإيراني.. المسيرات فوق "مضيق هرمز" والترسانة المتربصة
 

طهران، من جانبها، لم تقف مكتوفة الأيدي أمام الحشد الأمريكي ضد إيران. رصدت بيانات تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية نشاطاً مكثفاً للمسيرات الإيرانية فوق مضيق هرمز، بالتزامن مع تحرك سفينة إيرانية حاملة للطائرات المسيرة في المنطقة نفسها، بينما لمرشد الأعلى علي خامنئي أرسل تحذيراً شديد اللهجة: "إذا أشعل الأمريكيون حرباً، فستكون صراعاً إقليمياً".

الخبراء العسكريون، ومنهم فابيان هينتس، يشيرون إلى أن الترسانة الصاروخية الإيرانية، رغم الضربات السابقة، لا تزال تحتفظ بقدرة تدميرية هائلة قادرة على استهداف القواعد الأمريكية في قطر والبحرين والأردن، بل وحتى العمق الإسرائيلي. هذا التوازن المرعب هو ما يجعل "الحشد" الحالي أكثر خطورة من أي وقت مضى، حيث أن الخطأ في التقدير من أي جانب قد يحول المناوشات إلى حريق إقليمي شامل لا يمكن السيطرة عليه.

سيناريوهات المواجهة.. هل هي رقصة الموت الأخيرة؟

يبقى السؤال المعلق في فضاء الشرق الأوسط: هل سنشهد ضربة عسكرية أم أن هذا الضجيج هو مقدمة لـ "صفقة القرن" بنكهة إيرانية؟ 
يرى جريغوري برو، محلل الشأن الإيراني، أن انتشار طائرات الحرب الإلكترونية والمدمرات في البحر الأحمر والمتوسط يعكس قلقاً أمريكياً حقيقياً من رد فعل انتقامي إيراني غير تقليدي.

الحشد الأمريكي ضد إيران اليوم ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو اختبار للإرادات. فمن جهة، هناك إدارة أمريكية تريد حسم ملفات عالقة منذ عقود بأسلوب "رجل الأعمال القوي"، ومن جهة أخرى، هناك نظام في طهران يرى في التراجع تحت التهديد العسكري انتحاراً سياسياً.

وبين هذا وذاك، تظل منطقة الشرق الأوسط أسيرة لصور الأقمار الصناعية التي ترصد كل تحرك، بانتظار الدخان الأبيض من مسقط، أو الدخان الأسود من فوهات المدافع.
 

تابع موقع تحيا مصر علي