احتفاءً بأبطال الظل.. حسني الإتلاتي يطلق «قطار بضائع محدود الحركة»
حسني الإتلاتي يعود إلى المشهد الشعري بإصدار جديد يحمل عنوان «قطار بضائع محدود الحركة»، وهو الديوان الذي يواصل فيه الشاعر حسني الإتلاتي انحيازه الواضح إلى الإنسان العادي، وإلى ما يسميه «أبطال الظل» الذين يمضون في حياتهم بصمت، دون أن ينالوا نصيبهم من الامتنان أو الاعتراف.

في هذا العمل، يضع حسني الإتلاتي البطولة في سياق مختلف، بعيدًا من الصور النمطية الصاخبة، ليجعلها كامنة في تفاصيل البيوت المصرية، وفي تعب الآباء، وصبر الأمهات، وتضحيات الإخوة، وفي كل يدٍ امتدت بالعطاء من دون انتظار مقابل.
«قطار بضائع محدود الحركة» يضم سبعًا وثلاثين قصيدة نثر، تتكئ على لغة حية تقترب من نبض الشارع، وتغامر في تشكيلاتها التعبيرية لتكسر القوالب الجامدة. ينشغل الديوان بقيم التسامح وقبول الآخر، ويعلي من شأن التعاطف مع المنكسرين، ويدافع عن الحب والعدل والحرية باعتبارها مرتكزات أخلاقية لا يمكن التفريط فيها. ويطرح حسني الإتلاتي من خلال قصائده سؤال البطولة بوصفها فعلًا يوميًا متجددًا، لا يرتبط بالقوة الخشنة أو الاستعراض، بل بالصبر والمثابرة والقدرة على الاحتمال.
شخصيات صنعت الفرح للآخرين دون ضجيج
في سياق إعادة تعريفه للبطولة، يستدعي حسني الإتلاتي صورًا من الواقع القريب، فيتوقف عند الأب الذي يعمل أكثر من وردية ليؤمن احتياجات أسرته، والأم التي تتحمل أعباء الحياة حين يعجز الزوج عن الكسب، والأخ الذي يضحي بتعليمه بعد وفاة الأب ليصير سندًا لإخوته.

كما يحتفي الديوان بشخصيات صنعت الفرح للآخرين دون ضجيج، مثل الراحل عماد قطري والدكتور خالد عبدالغني، إلى جانب شخصيات عامة يرى الشاعر أنها تعرضت لمحاولات تشويه أو شيطنة، ومن بينهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر واللاعب محمد صلاح، في إشارة إلى موجات عدوانية يعتبرها جزءًا من تحولات الخطاب العام.
ويتضمن «قطار بضائع محدود الحركة» قصائد كُتبت تحت تأثير وقائع تعرض فيها بعض المصريين للإهانة خارج البلاد، فيأتي النص الشعري منحازًا إلى الكرامة الوطنية، ومنتصرًا للهوية المصرية بوصفها إطارًا جامعًا لا يقبل الانتقاص. وفي هذا السياق، يواصل حسني الإتلاتي توظيف الرمز الطبيعي ليصوغ فلسفته الأخلاقية، فتتحول الشجرة والنهر والنخلة إلى نماذج عليا للعطاء والمرونة والاحتواء.
يقول في إحدى قصائده:
1
عطاء
…
طيبةٌ هيَ الأشجار
تعطي ظهرها للشمس لتمنحنا الظلّ
وكريمة جدا
تميل بذراعها لطفلٍ جائع
ليتني كنت شجرة وقصيدة أخرى
وفي قصيدة أخرى يرسم ملامح البطولة الهادئة:
2
مديح النهر
…….
بطلٌ هو النهر
يُفتت الصخور في هدوء
وبمزيد من الصبر
يشق فى قلبها مجراه
أيّة بطولة للثور؟!
ينطح صخرة تكسر قرنيه وتشج رأسه
جميل هو النهر
لا يزعج الطيور ويحتوى التماسيح
يحمل على كتفيه مراكب العشاق
وصنادل الفحم والأحجار
وأجولة البخور
ناعم هو النهر ومسرف فى الفحولة
كلما دخل بأرضٍ
تحبل بالحياة
وعظيم هو النهر
يغسل عارَ فتاةٍ
أسلمت نفسها لرجل كان ينقصه المروءة
وقبائل تتباهى بذبح الغزلان
لا ذبح الأسود
البطولة أن تكون النهر
وفي نص ثالث، يقف الشاعر أمام النخلة باعتبارها رمزًا للصبر والسمو:
3
مرونة
…….
أقف منحنيا بجوار النخلة
ليس لي ما لها
لست طويل القامة في مرونة
تسمح بتبادل اللعب مع الريح
ولا أمنح ظلي للغرباء
والعاشقين
أنا كدت أقتل ولدا نظر الى ابنتي
أقف منحيا أمام النخلة
تتحمل العطش
وتأكل الملح لتعطينا السكر
تقف وحيدة آخر الليل
تربت على كتف لص هارب من الكوابيس
أو تحدث نجمتها البعيدة
أنا لا أتذكر أنني حدثت نجمة منذ
انتهاء فترة الجامعة
كما تتجلى نزعة الاعتراف والصدق في قصيدة «لست قديسًا»، حيث يعلن الشاعر انحيازه للضعفاء والأشياء المهملة، في مزج بين الذاتي والرمزي يعكس مشروعه الشعري.
الإصدار الثاني عشر في مسيرة حسني الإتلاتي
ويُعد «قطار بضائع محدود الحركة» الإصدار الثاني عشر في مسيرة حسني الإتلاتي، بعد أعمال سابقة من بينها «نتوءات على جسد نحيل» الصادر عام 1999، و«البشارة أغاني الحب والثورة» عام 2002، و«نقوش على جدار الروح» 2014، و«الأبيض يفرض سطوته» 2015، و«الغبار للمهزومين أن يفخروا بالبطولة» 2019، و«يؤرقه الحنين» 2020، و«يرتل سورتها في الغياب» 2022، إضافة إلى «برديات جديدة للفلاح الفصيح» و«آهات الجبل والنيل من فن الواو» عام 2024، و«بغنيلك بالعامية المصرية» و«رواه عاشق» في 2025. بذلك يرسخ حسني الإتلاتي حضوره كأحد الأصوات التي تراهن على الشعر بوصفه مساحة للإنصاف الرمزي، وإعادة الاعتبار لقيم إنسانية تتجدد مع كل ديوان جديد.
تطبيق نبض
