عاجل
الخميس 19 فبراير 2026 الموافق 02 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

اختبار النفوذ.. مجلس السلام بين إعمار غزة وطموح منافسة الأمم المتحدة

تحيا مصر

في لحظة سياسية دقيقة يتصدر فيها مجلس السلام واجهة المشهد الدولي، افتتح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أول اجتماعاته في واشنطن، واضعاً غزة في قلب أجندة تتجاوز إعادة الإعمار إلى طموحات أوسع لحل النزاعات العالمية، وسط انقسام دولي وتساؤلات عن الشرعية والفاعلية.
منذ الساعات الأولى لانعقاد مجلس السلام بدا واضحاً أن الحدث يتجاوز كونه اجتماعاً فنياً لإعادة إعمار قطاع غزة، ليغدو اختباراً لنفوذ واشنطن وقدرتها على إعادة صياغة أطر العمل الدولي. فالمبادرة التي وُلدت في سياق وقف إطلاق النار تحولت إلى منصة سياسية ذات أبعاد عالمية.
انعقد الاجتماع في العاصمة الأميركية واشنطن برئاسة دونالد ترمب، الذي قدّم مجلس السلام بوصفه إطاراً عملياً لصناعة الاستقرار. وأكد في كلمته الافتتاحية التزامه العمل من أجل مستقبل مختلف لغزة والمنطقة، معترفاً بأن ملف القطاع بالغ التعقيد ويحتاج إلى جهود مضاعفة.
في القاعة التي احتضنها معهد دونالد جيه ترمب للسلام، وهو مبنى أعيدت تسميته أخيراً، جلس ممثلو 47 دولة يناقشون آليات إعادة الإعمار وتأمين الاستقرار. وحضر الاتحاد الأوروبي بصفة مراقب، في مؤشر إلى حذر أوروبي تجاه مجلس السلام.


مجلس السلام من فكرة هدنة إلى منصة عالمية


انبثقت فكرة مجلس السلام من ترتيبات وقف إطلاق النار في غزة الذي جرى التوصل إليه بوساطة أميركية إلى جانب قطر ومصر، غير أن ميثاقه توسع لاحقاً ليشمل طموحاً بحل النزاعات المسلحة حول العالم.
هذا الاتساع في الأهداف أثار مخاوف من أن مجلس السلام قد يتحول إلى كيان موازٍ لـالأمم المتحدة، خاصة في ظل انتقادات ترمب المتكررة لأداء المنظمة الدولية. وذهب الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى وصف المبادرة بأنها أشبه بأمم متحدة جديدة يتصدرها ترمب وحده.
البيت الأبيض أعلن أن مجلس السلام سيشهد تعهدات مالية بقيمة خمسة مليارات دولار مخصصة لإعادة إعمار غزة، إضافة إلى خطة لإرسال آلاف العسكريين ضمن قوة دولية لتحقيق الاستقرار، في خطوة تعكس انتقال المبادرة من الإطار السياسي إلى التنفيذي.
 

أموال وإعمار وقوة دولية


تركزت المناقشات على آليات توجيه التمويل إلى مشروعات تعتمدها هياكل مجلس السلام، بما يضمن رقابة مركزية على مسار إعادة الإعمار. غير أن خبراء حذروا من أن حجم الدمار في القطاع يفوق بكثير المبالغ المعلنة، ما يضع المجلس أمام اختبار واقعي.
أوضح جيريمي إيساشاروف من جامعة رايخمان أن إعادة إعمار غزة ستتطلب أضعاف ما تم التعهد به. وبينما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، استمرت الضربات اليومية، مع تبادل الاتهامات بين إسرائيل وحركة حماس بخرق الهدنة.
في هذا السياق، بدا مجلس السلام وكأنه يسعى لفرض مقاربة أمنية موازية للعمل السياسي، عبر تشكيل قوة استقرار دولية. وأعلنت إندونيسيا استعدادها لإرسال ثمانية آلاف عسكري، ما يعكس رغبة بعض الدول في لعب دور مباشر ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.


انقسام الحلفاء وتردد الخصوم


رغم الحضور الواسع، امتنعت قوى كبرى عن الانضمام كأعضاء مؤسسين في مجلس السلام. وبرز انقسام أوروبي واضح، إذ شاركت دول مثل إيطاليا وألمانيا بصفة مراقب، بينما انتقدت فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وإيرلندا قرار بروكسل المشاركة.
كما سحب ترمب الدعوة الموجهة إلى كندا، فيما رفض الفاتيكان الانضمام. أما الصين، فتلقت دعوة لكنها لم تُبد استعداداً للمشاركة، مؤكدة تمسكها بنظام دولي تقوده الأمم المتحدة، ما يعكس تنافساً ضمنياً على شكل الحوكمة العالمية.
احتفظت اليابان بردها الرسمي، مع توقعات بإرسال موفد مختص بملف غزة، في خطوة توحي بحذر محسوب. هكذا وجد مجلس السلام نفسه محاطاً بدائرة من الدول المتحفظة التي تراقب دون التزام كامل.
حلفاء مقربون ومشهد سياسي متشابك
على الضفة الأخرى، حضر الاجتماع حلفاء مقربون من ترمب، من بينهم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، في إشارة إلى تقاطع أيديولوجي وسياسي داخل مجلس السلام.
ومثّل إسرائيل وزير خارجيتها جدعون ساعر، فيما شارك رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، باعتبار بلديهما طرفين رئيسيين في ترتيبات غزة، ما أضفى بعداً إقليمياً على النقاشات.
يرى مراقبون أن مجلس السلام يجمع بين دول تسعى إلى التأثير في مستقبل غزة وأخرى ترغب في الحفاظ على قنوات مفتوحة مع واشنطن. وبين الطموح السياسي والرهان الإنساني، يبقى المجلس أمام تحدي إثبات جدواه سريعاً.
في الأروقة، طُرحت تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار داخل مجلس السلام، خصوصاً أن الرئيس الأميركي يحتفظ بصلاحية دعوة القادة أو استبعادهم. هذا التركيز للسلطة أثار انتقادات تتعلق بالشفافية والتوازن المؤسسي.
ومع أن مجلس السلام وُلد تحت عنوان إعادة الإعمار، إلا أن امتداد مهامه إلى فض نزاعات عالمية يضعه في مواجهة مباشرة مع البنية التقليدية للنظام الدولي. فإما أن ينجح في تحقيق نتائج ملموسة، أو يتحول إلى تجربة عابرة في سجل المبادرات الأميركية.
الرهان الأكبر يظل في غزة، حيث ينتظر السكان تحسناً فعلياً في الأوضاع الإنسانية. فإذا أخفق مجلس السلام في إحداث فارق سريع، فإن صدقيته ستتعرض لاختبار قاسٍ، في عالم يزداد تشككاً في المبادرات أحادية القيادة.
وبينما تتواصل المشاورات، يتبلور مشهد دولي جديد تحاول فيه واشنطن عبر مجلس السلام إعادة صياغة دورها القيادي. غير أن الطريق يبدو محفوفاً بتوازنات دقيقة، بين طموح سياسي واسع وواقع ميداني معقد.
 

تابع موقع تحيا مصر علي